صادق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت الماضي، على قانون يُعيد رسم الطريقة التي تتعامل بها فرنسا مع ما نهبته إبان حقبتها الاستعمارية.
القانون لا يُعيد آثاراً بعينها، لكنه يُزيل عقبة أساسية كانت تحول دون إعادتها: تلك المادة الصلبة التي تجعل مقتنيات المتاحف الفرنسية ملكاً عاماً لا يمكن المساس به إلا بتشريع خاص لكل حالة على حدة.
وقد مرّت تسع سنوات بين الوعد الذي أطلقه ماكرون قبل تسع سنوات وهذا القانون الذي يُترجمه، وهي مسافة تكشف وحدها حجم العقبات التي اعترضت الطريق.
بدأت القصة عام 2017، حين وقف ماكرون في عاصمة بوركينا فاسو، واغادوغو، ووعد بفتح" صفحة جديدة" مع الدول التي استعمرتها فرنسا، وتعهّد بإعادة الأعمال الفنية المنهوبة خلال تلك الحقبة.
لكن حُسن النية وحده لم يكن كافياً في مواجهة ترسانة قانونية بنيت على مبدأ راسخ: " لا تُمسّ المتاحف".
القانون الجديد يُعطِّل هذا المبدأ، ويمنح الحكومة صلاحية إخراج أي قطعة من" الملك العام" بمرسوم إداري مباشر دون المرور بالبرلمان في كل مرة.
تعديلٌ يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه يُزيل الحاجز الأكبر الذي أبطأ عمليات الاسترداد على مدى عقود.
محدودٌ بالقطع المنهوبة استعمارياً بين 1815 و1972يقوم القانون على خمس مواد متكاملة، تبدأ بكسر المبدأ الذي طالما شكّل العقبة الأساسية: مبدأ عدم قابلية التصرف في مقتنيات المتاحف الوطنية.
فبموجب المادة الأولى، باتت القطع المكتسبة بطرق غير مشروعة قابلة لنقل ملكيتها، وهو تحوّل جذري في المنطق القانوني الفرنسي.
غير أن هذا الانفتاح ليس مطلقاً، إذ تحدّد المادة الثانية النطاق الزمني للتطبيق بدقة: من 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1815 إلى 23 إبريل/نيسان 1972، أي من فجر الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية الثانية حتى اليوم السابق لدخول اتفاقية اليونسكو المتعلقة بالممتلكات الثقافية حيّز التنفيذ.
ولعلّ المادة الثالثة هي جوهر التغيير الحقيقي؛ فبدلاً من المسار التشريعي المُضني الذي كان يُلزم البرلمان بسنّ قانون خاص لكل قطعة أو لكل دولة، تصبح عملية الاسترداد ممكنة بمرسوم إداري مباشر تُصدره السلطة التنفيذية.
لكن هذه الصلاحية تتوقف عند حدود معينة: فإذا كانت القطعة مملوكة لجهة محلية أو بلدية لا للدولة المركزية، اشترطت المادة الرابعة الحصول على موافقة تلك الجهة قبل إصدار أي مرسوم.
وتختم المادة الخامسة هذه المنظومة بالتزام الشفافية، إذ تُلزم الدولة بنشر قائمة سنوية بالقطع المشتبه في أنها اكتُسبت بطرق غير مشروعة، في استجابة لمطلب طالما رفعته الدول المسلوبة دون أن يجد آذاناً صاغية.
تُظهر الوقائع أن التحرك الفرنسي ليس وليد اللحظة؛ ففي عام 2020، أُعيدت 26 قطعة من أبومي إلى بنين، وسيف الحاج عمر إلى السنغال.
وفي مطلع 2026، أُعيد الطبل المقدس" دجيدجي أيوكوي" الذي صودر من ساحل العاج منذ عام 1916.
لكن هذه الأمثلة كانت تحتاج في كل مرة إلى تشريع خاص، يأخذ وقته في برلمان مشغول بأولويات أُخرى.
القانون الجديد يُفترض أن يجعل من هذه العمليات إجراءً إدارياً لا استثناءً تشريعياً.
رحّبت بالقانون دول عدة، أبرزها الصين التي أبدت اهتماماً بالغاً به، إذ نُهبت قطع كثيرة من القصر الصيفي القديم في بكين عام 1860 على يد قوات فرنسية-بريطانية مشتركة.
وهو ترحيب يُلمّح إلى أن نطاق التطبيق المأمول لا يقتصر على القارة الأفريقية.
في السياق ذاته، لا يُمكن قراءة هذا القانون بمعزل عن حراك أوروبي أوسع، حيث أعلنت ألمانيا في مارس/آذار الماضي نيتها إنشاء مجلس تنسيق لاستعادة" الممتلكات الاستعمارية"، وأعادت أكثر من 1100 قطعة من برونزيات بنين إلى نيجيريا عام 2022.
لكن الأرقام تكشف الهوّة الحقيقية: متحف برلين المصري وحده يضم نحو 80 ألف قطعة، فيما يحتضن المتحف البريطاني ما يقارب 100 ألف قطعة أثرية مصرية.
وهذه المؤسسات البيروقراطية الكبرى تبقى بعيدة عن أي مسار استرداد فعلي، إذ تتمسك بحجج قانونية وتاريخية تتعلق بطريقة دخول هذه القطع إليها في سياقات استعمارية سابقة.
في هذا المشهد، نلمس انفتاحاً أوروبياً على هذا المسار وإن جاء بالتوازي مع إدارة دبلوماسية للإرث الاستعماري بأدوات قانونية جديدة.
يزيل القانون الفرنسي عقبة إجرائية، لكن ما يُحدّد قيمته الحقيقية ليس نصّه، بل الإرادة السياسية في تطبيقه، وعدد القطع التي ستعود فعلاً إلى أصحابها في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك