خلال الآونة الأخيرة تعثرت في أكثر من فيلم لعادل إمام على المحطات الفضائية.
من «المشبوه» و«الغول» و«حب في الزنزانة» إلى «الحريف» و«طيور الظلام» و«الإرهابي» وحتى أعمال قديمة مثل «لصوص لكن ظرفاء» و«البحث عن فضيحة» وغيرها.
في كل مرة، تقريباً، مهما كانت درجة انشغالي أو رغبتي في عمل أشياء أخرى، ومهما كان عدد المرات التي شاهدت فيها الفيلم من قبل، أواصل المشاهدة حتى النهاية.
في كثير من الأحيان ألاحظ أشياء لم يسبق لي ملاحظتها من قبل، حول الفيلم أو أداء عادل إمام فيه.
على سبيل المثال: قدراته التراجيدية كما في «المشبوه» و«الحريف»، حيث لا يكاد توجد مساحة للكوميديا، ولكن، مثل لاعب كرة ماهر يمكنه صنع الهدف في أي لحظة، يستطيع عادل إمام أن يضفي لمسة من المرح، بإيماءة من وجهه، أو حركة من يديه، أو كلمة تقال بطريقة معينة، وأحياناً بمجرد رد فعل على سلوك شخصية أخرى.
من ناحية ثانية، مرّ أمامي بعض أعماله القديمة، التي تنتمي لكوميديا «الفارص» والمبالغات، مثل «الهلفوت» وسلسلة شهور «رجب.
» و«شعبان.
» و«رمضان.
»، ولكن لم تستوقفني ولم تضحكني على الإطلاق، رغم أنها، في وقتها، كانت تحقق أعلى الإيرادات وتضع عادل إمام على قمة نجوم الشباك.
ولكن يبدو كأن هناك ممثلاً آخر يلعب هذه الأدوار، أو كأن عادل إمام قام بتشكيل وتطويع نفسه لكي يستطيع أداء هذه الأدوار، الصاخبة، مبهرجة الأداء، في هذه الأفلام الصغيرة، السخيفة.
ومن المؤكد أن عادل إمام، مثل كثير من الفنانين في موقفه، كان يسائل نفسه: هل أستمر في أداء هذه الأعمال التجارية التي تجني الملايين، أم أبحث عن شيء أرقى فنياً، يتيح لي إظهار مواهبي الحقيقية؟من حُسن حظ عادل إمام أن تلك الفترة كانت تستوعب ثلاثة وسائط من الفنون: السينما، المسرح، والدراما التليفزيونية، والفروق بينها كانت أكثر تحديداً ووضوحاً.
وبذكاء فهم عادل إمام خصائص كل وسيط من الوسائط وطبيعة جمهوره: المسرح للكوميديا الهزلية لمحدثي الثراء والقادمين من الخليج، السينما تحتمل التنويع بين الكوميديا والأكشن، والتجريب بين الفني والدرامي والهزلي، بحكم جمهورها القلق المتقلب، والتليفزيون للأعمال الدرامية والوطنية التي تحمل مسحة كوميدية مع مضمون يخاطب جمهور البيوت.
كُتب الكثير عن موهبة عادل إمام في إدارة موهبته، ومسيرته تؤكد حقيقة أن إدارة الموهبة أهم من الموهبة نفسها، ويتمثل ذكاء عادل إمام في فهم أشياء كثيرة مترابطة: السياق الاجتماعي والسياسي والجمهور وذائقته وما يرغب في مشاهدته، أو لا يرغب، وإدراك أن كل تلك العوامل تتغير مع الوقت، وبالتالي ضرورة أن يكون منتبهاً ومواكباً باستمرار لهذه التغييرات ومحاولة أن يكون جزءاً منها.
إذا كانت أم الغرائز لدى الكائنات الحية هي السعي إلى البقاء، فإن موهبة عادل إمام الحقيقية تتجلى في هذه القدرة الاستثنائية على البقاء، ليس فقط طويلاً، ولكن البقاء في الصدارة!هو واحد من قلائل جداً استطاعوا أن يصنعوا مسيرة تمتد طويلاً في الزمن، مع الحفاظ على لعب الدور الرئيسي وتصدر الأفيشات، والمنافسة على الإيرادات والشعبية دائماً.
بعض النجوم يتخلون عن الأدوار الأولى في منتصف الطريق ويرضون بحكم الزمن قانعين بالأدوار الأصغر، وبعضهم يواصل لعب الأدوار الأولى ولكن في أعمال أقل «تجارية» وامتثالاً لشروط السوق، أما أن يحتفظ الممثل بمكانته كبطل أول ونجم شعبي حتى بعد أن يتجاوز السبعين والثمانين، فهذا من الاستثناءات النادرة جداً.
ربما يكون السؤال: هل جاء هذا البقاء وهذه الاستمرارية على حساب أشياء أخرى؟ مثلاً: تركيز الفنان على نجاحه الفردي أكثر من اهتمامه بصنع أعمال فنية جيدة.
أتذكر الفنان التشكيلي الكبير سلفادور دالي في حوار مصوَّر قال فيه ما معناه إنه يرسم للجمهور وأكل العيش، ويخشى أن يرسم لوحات جيدة فعلاً، لأن الناس لن تستقبلها جيداً.
يعني.
عندما فشل فيلم «الحريف» لمحمد خان، مثلاً، تجنب عادل إمام صنع أعمال مماثلة، بل تجنب العمل مع مخرجي الواقعية الجديدة كلهم، وفضل عليهم سمير سيف ونادر جلال ثم شريف عرفة، وهم مخرجون معروفون بمهارتهم في صنع أعمال ناجحة شعبياً وتجارياً.
مع دخول كاتب السيناريو وحيد حامد مع شريف عرفة إلى عالم عادل إمام حدث ما يشبه الانقلاب أو الطفرة في أعمال عادل إمام، إذ اصطبغت أعمالهم بنبرة سياسية واجتماعية لطالما خلت منها أعماله المبكرة، ولكن بالطبع يمكن فهم أعمال الثلاثي معاً التي امتدت من 1991 بـ«اللعب مع الكبار» حتى «النوم في العسل» 1996، بأنها دليل آخر على فهم عادل إمام للمتغيرات، إذ أصبح المزاج العام سياسياً بعد حرب الخليج الثانية وصعود التطرف الديني وعمليات القتل والعنف، وتصاعد السخط الشعبي ضد مظاهر الفساد، ما تطلب أن يكون للسينما دور في مواجهة التطرف والفساد.
والحق أن عادل إمام في هذه الفترة تحديداً أظهر انحيازاته السياسية ودافع عنها بشجاعة وشراسة، غير مبالٍ لا بالجماهيرية ولا بالمخاطر التي حملتها مواقفه وأفلامه.
ربما يكون عادل إمام قد أدرك أن عليه تبني قضايا جادة تناسب جمهور هذه الفترة، ولكن الجمهور، ذلك الوحش متقلب المزاج، سرعان ما انتابه الملل من الجدية، ودخل في نوبة طويلة من الضحك للضحك من 1997 حتى 2011 تقريباً.
ربما كانت تلك هي الفترة الأصعب في مسيرة عادل إمام، التي قدّم فيها أعمالاً شديدة التنوع والاختلاف، من ثلاثية «بخيت وعديلة» و«التجربة الدنماركية» و«بوبوس»، إلى «حسن ومرقص» و«عمارة يعقوبيان» و«ألزهايمر».
ثم تحوله إلى الوسيط الأكثر أماناً وثباتاً انفعالياً، وهو التليفزيون، حيث ينتظره جيلان أو أكثر من جمهوره القديم.
تتفاوت أعمال عادل إمام في مستواها، ومدى نجاحها، وأدائه فيها، ولكن المؤكد أنها تمثل معاً رحلة بقاء نادرة، وكثيراً من الأعمال الفنية الجيدة التي يزيدها الزمن ألقاً وحضوراً، مثل صاحبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك