أثارت تصريحات أدلى بها الصحافي والمحلل السياسي الفرنسي المحافظ فانسان إرفويه على قناة" سي نيوز" جدلاً في فرنسا، بعدما وصف رئيس بلدية سان دني، بالي باغايوكو، بأنه" رئيس بلدية مالي في فرنسا"، خلال نقاش تلفزيوني حول تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي، وانسحاب القوات الفرنسية من مالي.
وجاءت تصريحات إرفويه ضمن حلقة الأربعاء الماضي من برنامج L’heure des pros الذي يقدّمه الإعلامي المحافظ باسكال برو، حيث قال: " خلال حكم إيمانويل ماكرون، خسرت فرنسا أفريقيا (.
).
خسرنا الإمبراطورية.
خسرنا مالي وربحنا السيد باغايوكو.
هذه هي الحقيقة القاسية لما يحدث في فرنسا: لديكم رئيس بلدية مالي في سان دني".
وحين قاطعه برو قائلًا إن باغايوكو" رئيس بلدية فرنسي"، ردّ إرفويه بأنه" من أصل مالي"، قبل أن يستكمل خطابه المشبع بالحنين إلى زمن الاستعمار والإمبراطورية الفرنسية.
وردّ باغايوكو، الذي انتخب في مارس/ آذار الماضي عمدةً للمدينة الواقعة شمال باريس، برسالة مطولة نشرها أمس الجمعة على حسابه في منصة إكس، توجّه بها إلى إرفويه.
وكتب: " أريد أن أرد عليك بهدوء ووضوح.
أنا من منتخبي الجمهورية الفرنسية.
صحيح أن ولادتي مرتبطة بتاريخ الهجرة، وأنا فخور بأصولي العائلية هذه، إلا أنني فرنسي بشكل كامل وأملك الشرعية الكاملة للقيام بالمهام التي وكلني بها المواطنون عبر تصويتهم".
وأضاف أنّ اختزاله في أصوله العائلية يعني أنّ" ملايين الفرنسيين المنحدرين من الهجرة سيبقون دائماً مرتبطين بأصولهم مهما كانت مكانتهم أو التزامهم أو روابطهم بالجمهورية".
وفي هذا السياق، دعا باغايوكو إلى تنظيم" مسيرة كبرى ضد العنصرية" يوم 21 يونيو/ حزيران المقبل، بهدف مواجهة" التطبيع المتزايد مع خطاب الكراهية" داخل المجالين السياسي والإعلامي في فرنسا.
وتأتي تصريحات إرفويه في سياق فرنسي يشهد تصاعداً كبيراً في الخطابات العنصرية والتصريحات القائمة على كراهية الأقليات، وسط تزايد التطبيع الإعلامي والسياسي مع هذا النوع من التصريحات، التي بات يدلي بها أصحابها دون حرج في أغلب الأوقات، ضمن مناخ سياسي يتكلم، في جزء منه، لغة اليمين المتطرف وأفكاره التي استطاع فرضها على النقاش العام.
وتحول بالي باغايوكو إلى هدف متكرر للهجمات العنصرية منذ انتخابه عمدةً لأكبر مدن الضاحية الشمالية لباريس.
ففي نهاية مارس/ آذار الماضي، استضافت قناة" سي نيوز" نفسها العديد من المتحدثين الذين تهجّموا عليه بعبارات عنصرية، كما فعل المختص النفسي المتطرف جان دوريدو، الذي وصفه بأنه" رئيس قبيلة"، أو المفكر المتطرف ميشيل أونفري حين قال عنه إنه" ذكر مهيمن".
وكان القضاء الفرنسي قد فتح تحقيقاً حينها بتهمة" الإهانة العلنية ذات الطابع العنصري"، كما فتح تحقيقاً ثانياً في حملات كراهية وعنصرية استهدفت باغايوكو عبر الإنترنت.
وفي ردّه الأخير، لم يكتف باغايوكو بإدانة التصريحات التي استهدفته، بل ربطها أيضاً بطريقة نظر المحافظين الفرنسيين إلى أفريقيا.
وقال إنّ" مالي لم تفقد كما قد يفقد المرء أرضاً أو ممتلكات خاصة به"، مشدداً على أنّ مالي دولة ذات سيادة، وأن استخدام تعبير" خسارة مالي" يعكس استمرار ذهنية استعمارية تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مجال نفوذ فرنسي.
وفي الاتجاه نفسه، دان النائب وزميل باغايوكو في حزب" فرنسا الأبية" اليساري، جيروم لوغافر، تصريحات إرفويه، معتبراً أنه يتحدث كمستعمر.
وكتب في منشور على" إكس" أمس الجمعة: " المستعمِر يتحدث.
ومالي بالنسبة إليه ليست دولة ذات سيادة، بل مجرد ملكية أو منطقة نفوذ".
وأضاف أنه" من وجهة نظر العنصري الاستعماري، لا يمكن لبالي باغايوكو أن يكون رئيس بلدية فرنسياً ومواطناً متساوياً مع الآخرين"، لافتاً إلى أنّ هذه التصريحات تنتمي إلى" عنصرية منفلتة من كل قيد، تبث يومياً على الشاشات وتحظى بتشجيع من الحكومة والسلطة وداعميهما".
وتعيد هذه القضية تسليط الضوء على الدور الذي باتت تلعبه قناة" سي نيوز" في نشر الخطاب العنصري وتطبيع حضوره على نطاق واسع في فرنسا، رغم جميع التحذيرات التي قدمتها أحزاب وجمعيات أهلية، ورغم المخالفات العديدة التي تلقتها من مؤسسات وهيئات رقابية، والتي زاد عددها على 30 مخالفة منذ 2019.
ويثير استمرار بث القناة، رغم تاريخها الحافل بالخروج عن القانون، حفيظة العديد من السياسيين اليساريين، وآخرهم النائب توما بورت، من حزب" فرنسا الأبية"، الذي دعا، في رسالة أمس، إلى إغلاق القناة" من دون تأخير"، لأنها" تفرش السجاد الأحمر للعنصرية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك