جرش- في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بإدارة النفايات وارتفاع كلف جمعها ونقلها وطمرها، يبرز مشروع فرز النفايات في محافظة جرش كإحدى التجارب البيئية والخدمية الرائدة التي أثبتت حضورها وجدواها على أرض الواقع.
اضافة اعلانويأتي إطلاق هذا المشروع استجابةً للضغوط المتزايدة التي يواجهها قطاع النظافة في جرش، جراء التوسع السكاني والعمراني السريع، بالتزامن مع الحركة التجارية والسياحية الكثيفة التي تتميز بها المحافظة التاريخية.
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تصاعد مستمر في كميات النفايات اليومية، ما رتّب أعباءً مالية وتشغيلية باهظة على كاهل بلدية جرش الكبرى سواء في مراحل الجمع أو النقل أو الطمر النهائي.
تجربة رائدة ونتائج إيجابيةوكانت بلدية جرش الكبرى قد بدأت بتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع داخل الوسط التجاري للمدينة، باعتباره المنطقة الأكثر إنتاجًا للنفايات القابلة لإعادة التدوير مثل الكرتون والبلاستيك والورق والمعادن، حيث تم توزيع مئات الحاويات المخصصة للفرز، إلى جانب تجهيز عربات خاصة لعمال الوطن بهدف تسهيل عمليات الجمع وتقليل تراكم النفايات داخل الأسواق والشوارع الرئيسة.
وشملت المرحلة الأولى مناطق واسعة من السوق التجاري الممتد من دوار القيروان مرورًا بشارع الملك عبدالله الثاني وشارع الملك حسين وصولًا إلى دوار المنتزه وجبل العتمات، إضافة إلى عدد من الشوارع الفرعية المرتبطة بالمركز التجاري، في محاولة لتنظيم عملية التخلص من النفايات وتحسين المشهد الحضري داخل المدينة.
كما عملت البلدية على إنشاء محطة فرز رئيسة داخل المدينة الصناعية بجرش، تستقبل النفايات المفروزة وتقوم بإعادة تصنيفها وفصل المواد القابلة للبيع أو إعادة التدوير، حيث يتم تجهيز البلاستيك والكرتون والمعادن والورق وضغطها قبل بيعها لجهات مختصة بإعادة التدوير.
وخلال الفترة الماضية، انعكست نتائج المشروع بشكل واضح على واقع النظافة داخل الوسط التجاري، حيث ساهم انتشار الحاويات المخصصة للفرز وتنظيم عمليات الجمع في الحد من تراكم النفايات وتحسين مستوى النظافة العامة داخل الأسواق والشوارع الحيوية، خصوصًا في المناطق التي تشهد حركة تجارية وسياحية نشطة.
كما ساعد المشروع في تخفيف حجم النفايات التي يتم نقلها يوميًا إلى مكب الأكيدر، الذي يعد من أكبر المكبات في شمال المملكة وأكثرها استقبالًا للنفايات القادمة من عدة محافظات، الأمر الذي خفف الضغط على قطاع النظافة وأسهم في تقليل الكلف التشغيلية المرتبطة بالنقل والمحروقات والصيانة.
ومع النتائج الإيجابية التي حصدها المشروع منذ انطلاقته، تتصاعد المطالب الشعبية والبيئية اليوم بضرورة توسيع نطاقه ليشمل مناطق وأحياء سكنية جديدة داخل المحافظة.
فقد أثبتت التجربة قدرة واضحة على تنظيم عمليات جمع النفايات، والاستفادة من المواد القابلة لإعادة التدوير، بدلاً من إلقائها بالكامل في المكبات الصحية كأعباء ميتة.
بارقة أمل بيئية في مواجهة أعباء النفاياتيقول المختص في الشأن البيئي محمد ليحو: " أن نجاح المشروع داخل الوسط التجاري يشكل مؤشرًا مهما على إمكانية التوسع به ليشمل الأحياء السكنية والمؤسسات الحكومية والمدارس والمراكز الصحية، خاصة أن زيادة كميات النفايات المفروزة تعني تقليل كميات الطمر وتحقيق وفر مالي أكبر للبلدية"، مضيفا" المشروع ساهم أيضا في تنظيم عمليات الجمع وتقليل الفوضى الناتجة عن تراكم النفايات داخل الأسواق، ناهيك عن رفع مستوى الوعي البيئي لدى شريحة من أصحاب المحال التجارية الذين بدأوا بالتعامل مع النفايات القابلة للتدوير باعتبارها مواد يمكن الاستفادة منها بدلًا من التخلص منها بشكل عشوائي".
ويوضح أن المشروع أدخل مفهوم الاقتصاد الدائري إلى قطاع النظافة داخل جرش، من خلال تحويل جزء من النفايات إلى مواد ذات قيمة اقتصادية بدلًا من اعتبارها عبئا بيئيا فقط، إذ يتم بيع المواد المفروزة مثل الكرتون والبلاستيك والمعادن لشركات ومصانع إعادة التدوير، ما يوفر مصدر دخل إضافي ساعد في دعم قطاع النظافة وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويرى التاجر مصطفى عضيبات أن تقليل كميات النفايات المنقولة إلى المكبات الصحية ينعكس بشكل مباشر على خفض كلف التشغيل والطمر والنقل، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وكلف صيانة الآليات، وهي من أبرز التحديات التي تواجه البلديات حاليا، مؤكدا أن أهمية المشروع امتدت إلى تقليل التلوث البصري والمكاره الصحية الناتجة عن تراكم النفايات أو حرقها بشكل عشوائي، إضافة إلى تقليل كمية المواد التي يتم طمرها داخل المكبات الصحية، الأمر الذي ينعكس إيجابا على البيئة ويحد من الآثار السلبية المرتبطة بعمليات الطمر والنقل.
ويوضح أن إعادة تدوير المواد القابلة للاستخدام مثل الورق والبلاستيك والمعادن تسهم في تقليل استنزاف الموارد الطبيعية وخفض استهلاك الطاقة، إلى جانب دعم التوجهات البيئية الحديثة التي تعتمد على إعادة الاستخدام وتقليل النفايات بدلًا من التخلص منها بالكامل، لافتا إلى أن المشروع نجح في تحقيق معادلة ثنائية الأبعاد: تحسين مستوى النظافة داخل الوسط التجاري وتقليل حجم النفايات المنقولة إلى مكب الأكيدر من جهة، وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة رفدت قطاع النظافة في البلدية من جهة أخرى.
ووفق المواطن أحمد القادري فإنه ورغم النتائج الإيجابية التي حققها المشروع منذ انطلاقه، إلا أن محدودية نطاقه ما تزال من أبرز التحديات التي تواجه استمراره وتطوره، إذ يقتصر بشكل رئيسي على الوسط التجاري وبعض المناطق المحدودة، في حين ما تزال كميات كبيرة من النفايات داخل الأحياء السكنية تُجمع وتنقل مباشرة إلى المكبات دون الاستفادة من المواد القابلة لإعادة التدوير.
ويرى أن نجاح المشروع داخل السوق التجاري يستوجب التوسع به ليشمل مختلف مناطق المحافظة، خاصة أن التوسع العمراني والزيادة السكانية يرفعان حجم النفايات اليومية ويزيدان الضغوط على كوادر النظافة وآليات الجمع، خاصة وأن توسعة المشروع من شأنها أن تسهم في تعزيز ثقافة فرز النفايات داخل المجتمع، خاصة إذا ما رافقتها حملات توعوية تستهدف المدارس والجامعات والمؤسسات المختلفة بما يساعد على رفع مستوى الوعي البيئي وتشجيع المواطنين على الالتزام بعمليات الفرز من المصدر.
نحو منظومة مستدامة لإدارة النفاياتيقول المختص في الشؤون البلدية هشام البنا: " في ظل ما تواجهه البلديات من تحديات مالية وبيئية متزايدة، تبدو مشاريع فرز النفايات وإعادة التدوير من الحلول الضرورية التي لم تعد تقتصر على الجانب البيئي فقط بل أصبحت جزءًا من إدارة الموارد وتقليل النفقات وتحسين الخدمات العامة، " مؤكدا أن مشروع فرز النفايات في جرش أثبت قدرته على تحقيق نتائج ملموسة داخل الوسط التجاري، سواء على مستوى النظافة أو تقليل حجم النفايات أو تحقيق عوائد اقتصادية داعمة لقطاع النظافة، إلا أن نجاحه الحقيقي يبقى مرتبطًا بقدرته على التوسع والاستمرار وتحويله من تجربة محدودة إلى منظومة متكاملة لإدارة النفايات المستدامة داخل المحافظة.
ويشدد البنا على أهمية تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والجهات المعنية بإعادة التدوير، بما يضمن استدامة المشروع وتطويره وتحويله إلى منظومة متكاملة لإدارة النفايات بدلًا من بقائه ضمن نطاق محدود.
بدوره يقول مدير الخدمات في بلدية جرش الكبرى محمد البنا إن أبرز التحديات التي تواجه المشروع هي ظاهرة العبث بالحاويات من قبل بعض" نابشي" النفايات وتجار الخردة، الذين يقومون بجمع المواد القابلة للبيع قبل وصول كوادر البلدية، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض كميات المواد الداخلة لمحطة الفرز وتراجع العوائد الاقتصادية المتوقعة من المشروع.
وأضاف أن المشروع يواجه تحديات مرتبطة بضعف الوعي المجتمعي بثقافة الفرز، حيث ما تزال بعض النفايات تُخلط داخل الحاويات المخصصة للفرز، ما يؤثر على جودة المواد القابلة لإعادة التدوير ويزيد من الأعباء على العاملين داخل محطة الفرز.
ويرى البنا أن نجاح مشاريع الفرز لا يعتمد فقط على توفير الحاويات أو الآليات، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية بين البلدية والمواطن، تقوم على الالتزام بعمليات الفرز والحفاظ على الحاويات والتعاون مع كوادر النظافة، خاصة وأن مشروع فرز النفايات في جرش يمتلك مقومات التحول إلى نموذج محلي ناجح يمكن تعميمه على محافظات أخرى، خاصة في ظل التوجهات الحكومية نحو تطوير قطاع إدارة النفايات وتقليل الاعتماد على الطمر التقليدي للنفايات.
وأوضح البنا أن ما حققته التجربة داخل الوسط التجاري من نتائج واضحة على مستوى النظافة وتقليل حجم النفايات والعوائد الاقتصادية يشكل قاعدة مهمة للبناء عليها، إلا أن تحقيق الاستفادة الكاملة من المشروع يتطلب توسعته لتشمل مناطق أوسع داخل المحافظة، لاسيما وأن كمية النفايات التي تخرج من مدينة جرش والمناطق التابعة للبلدية تتراوح ما بين 90-120 طنا يوميا وهذه كمية كبيرة وتحتاج إلى مبالغ طائلة وآليات ومعدات ضخمة للتعامل معها في حين أن كمية النفايات التي يتم فرزها في محطة فرز النفايات تقدر بطن واحد يوميا، والمشروع قادر ومجهز ومؤهل للتعامل مع عشرات الأطنان يوميا في حال توفرت الكميات المناسبة للفرز.
ويبين أن البلدية بدأت بتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع داخل الوسط التجاري للمدينة مع التركيز على الشرايين الحيوية للسوق التجاري والتي تشمل توزيع مئات الحاويات المخصصة للفرز وتجهيز عربات خاصة لعمال الوطن لتسهيل الجمع البيئي، وإنشاء محطة فرز رئيسة لاستقبال النفايات المفروزة لإعادة تصنيفها، وضغط الكرتون والبلاستيك تمهيدا لبيعها للجهات المختصة بالتدوير، منوها إلى أن نتائج المشروع انعكست سريعا على الأرض، إذ تراجع التلوث البصري بشكل ملحوظ داخل الأسواق، وانخفضت وتيرة تراكم النفايات في الشوارع السياحية والتجارية الحيوية، إضافة إلى تقليص كميات النفايات الموجهة إلى مكب الإكيدر ما انعكس إيجابا على البلدية من خلال خفض كلف المحروقات وصيانة الآليات وأجور العمالة.
ويرى البنا أنه ورغم هذه النجاحات ما تزال هناك فجوة رقمية كبيرة وتحديات لوجستية وسلوكية تواجه المنظومة، إذ إن التكلفة الإجمالية للتوسعة بلغت مليونا و200 ألف دينار أردني لشراء المعدات وتوسيع نطاق العمل في وسط المدينة والأحياء المجاورة، مشيرا إلى أن مرحلة الاستهداف الأولى شملت 800 محل تجاري، فيما تستهدف التوسعة والمرحلة الثانية إضافة 1000 حاوية فرز جديدة لدخول مناطق جغرافية وسكانية أوسع.
ويقول: " في خطوة تشجيعية رائدة أقرت البلدية تخفيض رسوم النفايات بواقع 5 دنانير لكل تاجر يلتزم بعملية الفرز من المصدر ويشارك بفاعلية في المشروع"، موضحا أن البلدية قامت بالتبرع بالأرض والهنجر الرئيسي للمشروع في حين قدمت الوكالة الألمانية (GTZ) الحاويات الرئيسة والعربات لعمال الوطن، فيما تولت الوكالة الإيطالية للإنماء تدريب الكوادر البشرية وتفعيل تطبيق إلكتروني خاص بإدارة المنظومة، بالإضافة لتزويد البلدية بحاويات فرز حديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك