الجدل حول القانون الجديد لا ينفصل عن الصراع الأوسع حول مستقبل الاقتصاد السوداني بعد الحرب، خاصة أن مشروع الجزيرة يمكن أن يلعب دوراً محورياً في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.
الخرطوم ـ «القدس العربي»: في ظل الجدل المتصاعد حول مستقبل مشروع الجزيرة الزراعي، برزت خلال الأيام الماضية مواقف متباينة من قوى سياسية ومزارعين وناشطين سودانيين عقب تداول معلومات عن شروع وزارة العدل السودانية في إعداد مشروع قانون جديد ينظم المشروع الزراعي الأكبر في البلاد، وسط مخاوف من أن تؤدي التعديلات المرتقبة إلى تغيير البنية التاريخية والقانونية للمشروع.
وكان حزب الأمة القومي قد أعلن رفضه لما وصفه بـ«الإجراءات الأحادية» الخاصة بإعداد قانون جديد للمشروع في ظل الحرب وغياب المؤسسات المنتخبة، مؤكداً أن أي قانون يصاغ في الظروف الحالية «لن يحظى بالشرعية السياسية ولا القبول الشعبي».
ويعد مشروع الجزيرة من أكبر المشاريع الزراعية المروية في العالم، وقد تأسس رسمياً عام 1925، واعتمد بصورة رئيسية على زراعة القطن عبر شبكة ري ضخمة تستمد مياهها من خزان سنار على النيل الأزرق جنوب شرق البلاد، قبل أن يتوسع في زراعة محاصيل عديدة.
وعلى مدى عقود، ظل المشروع يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ومصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي، كما أسهم في تكوين مجتمعات زراعية مستقرة في ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض وسط البلاد.
وشهد المشروع خلال تاريخه عدة تحولات قانونية، أبرزها قانون 1927 ثم قانون 1984، قبل أن يأتي قانون 2005 الذي أحدث جدلاً واسعاً بسبب إعادة هيكلة الإدارة ومنح المزارعين صلاحيات أوسع في اختيار المحاصيل والتعامل المباشر مع التمويل والأسواق.
ويرى مراقبون أن الجدل الحالي يعيد إلى الواجهة الخلافات القديمة حول إدارة المشروع وملكية الأراضي والعلاقة بين الدولة والمزارعين.
ويبدي المزارعون مخاوف من أن مشروع القانون الجديد قد يتضمن تعديلات تتعلق بإعادة تنظيم الإدارة، وتوسيع صلاحيات الحكومة المركزية، وإعادة النظر في بعض الحقوق المرتبطة بالأراضي والحواشات الزراعية، وهي قضايا ظلت محل نزاع لسنوات طويلة.
وقال المزارع والناشط من ولاية الجزيرة، عبد الرحمن القاضي، إن «أي قانون جديد يفرض من دون مشاركة المزارعين الحقيقيين سيكون مرفوضاً»، مضيفاً أن «المشروع دفع ثمن الصراعات السياسية لعقود طويلة، ولا يحتمل مزيداً من القرارات الفوقية».
كما عبر الناشط الزراعي الطيب أحمد الطيب، وهو من المهتمين بقضايا مشروع الجزيرة، عن مخاوفه مما وصفه بمحاولات «إعادة هندسة المشروع بعيداً عن أصحابه التاريخيين»، مؤكداً أن الأولوية الحالية يجب أن تكون «لإعادة تأهيل قنوات الري وإنقاذ الموسم الزراعي بدلاً من الدخول في معارك قانونية».
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى التراجع المستمر الذي شهده المشروع منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث أدى ضعف التمويل وتهالك شبكات الري وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى انخفاض الإنتاجية بصورة كبيرة.
كما تعرض المشروع لضربات إضافية بعد صدور قانون 2005، الذي اعتبره البعض خطوة نحو تحرير الزراعة، بينما رأى فيه آخرون بداية لتفكيك الإدارة المركزية التاريخية للمشروع.
ومع اندلاع الحرب في السودان في نيسان/ابريل 2023، تفاقمت الأزمة بصورة غير مسبوقة، إذ تعطلت عمليات الري والنقل الزراعي وتضررت البنية التحتية، بينما اضطر آلاف المزارعين للنزوح من مناطقهم، فضلاً عن تراجع كبير في المساحات المزروعة داخل المشروع خلال الموسمين الأخيرين بسبب التحديات الأمنية ونقص التمويل وغياب الخدمات الزراعية الأساسية.
وفي أوساط المزارعين، تتزايد المخاوف من أن يستخدم القانون الجديد لإعادة توزيع السيطرة على الأراضي الزراعية أو خصخصة بعض الخدمات المرتبطة بالمشروع.
كما أبدت مجموعات شبابية وناشطون تحفظات مماثلة، حيث انتشرت وسوم في وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى حماية مشروع الجزيرة باعتباره «أحد أهم الأصول الوطنية في السودان»، مع مطالب بإشراك اتحادات المزارعين والخبراء الزراعيين في أي نقاشات تتعلق بمستقبله.
وبحسب متابعين، فإن الجدل حول القانون الجديد لا ينفصل عن الصراع الأوسع حول مستقبل الاقتصاد السوداني بعد الحرب، خاصة أن مشروع الجزيرة يمثل مورداً استراتيجياً يمكن أن يلعب دوراً محورياً في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.
ودعا حزب الأمة القومي إلى وقف أي خطوات تتعلق بإصدار قانون جديد في الوقت الراهن، وإطلاق حوار وطني شامل يضم المزارعين وملاك الأراضي والخبراء والقوى السياسية والمجتمعية، إلى جانب إعطاء الأولوية لوقف الحرب وإعادة الإعمار ومعالجة الأزمة الإنسانية والاقتصادية.
ويمتد مشروع الجزيرة على مساحة تقدر بنحو 2.
2 مليون فدان، ما يجعله واحداً من أكبر المشاريع الزراعية المروية ذات الإدارة الموحدة في أفريقيا والعالم.
ويقع المشروع في المنطقة بين النيلين الأزرق والأبيض بوسط السودان، ويمتد من جنوب الخرطوم حتى مناطق سنار والمناقل، مع شبكة ري ضخمة تعتمد بصورة أساسية على مياه خزان سنار الذي افتتح عام 1925.
وتوسعت مساحة المشروع تدريجياً منذ بدايته كمزرعة تجريبية صغيرة لزراعة القطن عام 1911، قبل أن تتجاوز المليون فدان في أربعينيات القرن الماضي، ثم أضيف «امتداد المناقل» بين عامي 1958 و1962 لتتجاوز المساحة الكلية مليوني فدان.
ويضم المشروع آلاف القرى والحواشات الزراعية، ويعتمد عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ملايين السودانيين من مزارعين وعمال وملاك أراضٍ وتجار وخدمات مساندة.
كما يغطي المشروع نحو 50 في المئة من المساحات المروية في السودان، وظل لعقود يساهم بنسب كبيرة من إنتاج القطن والقمح والفول السوداني والذرة والخضروات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك