مثل شعبي يبدو في ظاهره ملامسا لقضايا الأكل، إلا أنه في جوهره يطرح تساؤلات أعمق بكثير عن طبيعة الرقابة المسمومة والصراعات التي تنشأ بين إنجازات الفرد وحسد الآخرين.
هذا المثل لا يشير مباشرة إلى عدد نوى التمر أو اللقمة التي تأكلها، بل يقدم تحليلا دقيقا للديناميكية المعقدة بين شخص يخطو خطوات واثقة نحو النجاح، ومراقب صامت لا يرى في هذا النجاح إلا تهديدا لمصالحه الخاصة كونه يحترق ألف مرة ببريق توهجك.
وتتجاوز هذه المراقبة حدود الفضول العابر لتستحيل إلى ما يمكن وصفه بالغل المقيت، إذ يحاول بعضهم التخفي في هيئة المحب النصوح، بينما تظل أعينهم شاخصة ترصد كل حركة تقوم بها، وكأنهم يحصون العثرات والزلات، ويشعرون في قرارة أنفسهم بأن كل ما حققه غيرهم في هذه الحياة حقٌ سُلب منهم.
هذه السيكولوجية التدميرية تحول المقارنة البسيطة إلى هوس بإحصاء نجاحات الآخرين؛ ما يقلب كل إنجاز إلى وقود للنقمة والغضب.
وقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة إلى ساحة عالمية للمنافسة، حيث يسعى الجميع لتقييم نجاحات الآخرين ومحاكمتها بناء على جودة أو رداءة أدائهم، ونتيجة لذلك أضحى الأفراد عاجزين عن التعبير عن فرحهم بوضوح، بعد أن أصبحت عملية الحسبة سامة لدرجة تخنق حيوية الحياة وتستبدل البهجة بالقلق الدائم.
إن الانشغال بحساب طعام الآخرين دليل على حالة من الجوع الروحي الذي لا ينتهي، فإذا انصرف المرء عن رعاية شؤونه الخاصة وانشغل بتقييم مكاسب الآخرين، فلن يحصد في النهاية إلا فراغا في الإنجاز وخيبة أمل في الذات.
ومن هنا، يثبت هذا القول الشعبي صوابه في عصرنا الحالي، فالعمر لا يتسع لمواصلة رصد قصص نجاح الآخرين، ولا يتحقق الانسجام الداخلي للإنسان إلا حين يدرك أن ذلك الشخص المنشغل بحسبة طعامك، عاجز عن ملء طبقه!كفانا الله وإياكم شر الحسد، “ولله در الحسد، ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك