لا يمكن اختصار توصيف مأساة الأمة التي يبدأ كتابها المقدس بفعل الأمر «إقرأ» في أنها لا تمسك كتابا في يدها، بل أن القراءة فيها انفصلت عن معناها المؤسس.
فقد تحولت من فعل يوقظ الوعي إلى عادة هامشية، ومن شرط للنهضة إلى ترف ثقافي، ومن طريق إلى الحرية إلى نشاط معزول لا يمس بنية السلطة، ولا يغير نظام التعليم، ولا يبدل طريقة إنتاج المعنى.
لذلك لا يكفي أن نسأل: هل نقرأ أم لا نقرأ؟ السؤال الأعمق هو: أي إنسان نصنع حين نقرأ، وأي مجتمع نبني حين تفشل المعرفة في التحول إلى قوة اجتماعية، ومؤسسة، وقرار، وسلوك؟ولدت الحضارات الكبرى حين أدركت أن المعرفة للإنسان جهازه العصبي.
فالإنسان لا يتقدم لأنه يملك ذاكرة أطول أو قامة منتصبة، بل لأنه يحول المعرفة إلى منهج، والمنهج إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تراكم.
وحين تصبح المعرفة صناعة، لا تبقى الكتابة فعلا فرديا منعزلا، ولا تبقى القراءة علاقة وجدانية بين قارئ وصفحة من كتاب، بل تصير منظومة تبدأ من السؤال، وتمر بالبحث، والتحقق، والنقد، والنشر، والتعليم، وتنتهي بتعديل الواقع.
بهذا المعنى، لا يكون التخلف فقرا ناجما عن طبيعة العلاقة مع الكتب وحدها، بل فقر في الدورة الكاملة التي تجعل من المعرفة طاقة منتجة.
كثيرا ما نحترم الكتاب في مجتمعاتنا بوصفه رمزا، ونخافه بوصفه سلطة، ونزيحه عن الخريطة بوصفه سؤالا.
نستدعيه في الاحتفالات، ونزين به الرفوف، ونرفعه في الخطب، لكننا لا نسمح له دائما بأن يزعزع يقيننا، أو يفضح كسلنا، أو يربك خطابنا الموروث.
هنا تكمن المفارقة: الأمة التي تقدس الكلمة قد تخشى أثرها، وتحتفي بالعقل في البلاغة العامة، لكنها تضيق به حين يطالب بحقه في النقد.
فالقراءة الحقيقية لا تقوم على استهلاك الجمل، بل على استعداد داخلي لتغيير موقع الذات من العالم.
لا تنفصل أزمة القراءة عن أزمة الحرية.
فالقارئ الحر يحتاج إلى فضاء يسمح بالسؤال، وتعليم لا يعاقب على الشك، ومجتمع لا يخلط بين النقد والخيانة، وسلطة لا ترى في العقل المستقل خطرا على بقائها.
حيث يخاف الناس من السؤال، تتحول القراءة إلى حفظ، وينقلب التعليم إلى تدريب على الطاعة، وتغدو الجامعة مؤسسة تمنح الشهادات أكثر مما تنتج العقول.
وكلما مات السؤال في الصف، ولد الاستبداد في الشارع، لأن المجتمع الذي لا يتعلم مناقشة الفكرة، يتعلم الخضوع للصوت الأعلى.
تبدأ صناعة المعرفة من نوع الإنسان الذي نريد تكوينه، لا من عدد المدارس والجامعات وحده.
هل نريد مواطنا يكرر، أم عقلا يستدل؟ هل نريد طالبا يحفظ التعريف، أم باحثا يختبر الفرضية؟ هل نريد موظفا يطيع الإجراء، أم مهنيا يطوره؟ في عالمنا العربي، كثيرا ما نخلط بين التعليم والتعلم، وبين الشهادة والكفاءة، وبين كثافة المعلومات وعمق الفهم.
لذلك تتضخم المؤسسات التعليمية أحيانا، بينما يبقى أثرها المعرفي محدودا، لأنها تخرج أفواجا تعرف كيف تجيب، ولا تعرف كيف تسأل.
يظهر التخلف المعرفي أولا في اللغة.
فاللغة بيت التفكير ومختبره.
حين تضعف اللغة، يضعف الخيال، وتضيق المفاهيم، وتتحول الأفكار الكبرى إلى عبارات إنشائية.
عندئذ نكتب عن النهضة بلا مشروع، وعن الحرية بلا ممارسة، وعن العلم بلا مختبر، وعن الإصلاح بلا مساءلة.
وتتسع الفجوة بين فخامة الخطاب وهشاشة الواقع.
لذلك لا تكمن الأزمة في قلة القراءة فقط، بل في رداءة العلاقة بين اللغة والحقيقة، حيث تصبح الكلمات ستارا لا نافذة، وتعويضا عن الفهم لا طريقا إليه.
تتجلى الأزمة أيضا في علاقة المجتمع بالزمن.
فالمعرفة الحديثة لا تنشأ إلا في تاريخ طويل من التراكم.
أما العقل المتخلف فيعيش بين حنين إلى ماض مثالي، وانبهار سطحي بحداثة مستوردة.
لا يقرأ الماضي نقديا ليبني عليه، ولا يفهم الحاضر علميا ليغيره، ولا يستشرف المستقبل مؤسسيا ليستعد له.
وهكذا يصبح الزمن دائريا، تتكرر فيه الأخطاء بوجوه جديدة.
إن أمة لا تصنع المعرفة لا تملك تاريخها تماما، لأنها تظل مادة في تاريخ الآخرين.
ومن أخطر مظاهر الأزمة أن المعرفة تنفصل عن القرار العام.
ففي المجتمعات المنتجة للمعرفة، يتحول البحث إلى سياسات، والإحصاء إلى تخطيط، والجامعة إلى شريك في الاقتصاد، والمثقف إلى ضمير نقدي، والإعلام إلى وسيط للتنوير.
أما حين تتعطل هذه الروابط، تصبح المعرفة محاصرة في الكتب، والسياسة محكومة بالارتجال، والإدارة أسيرة المزاج، والاقتصاد تابعا، والإعلام صانعا للضجيج لا للوعي.
هنا لا يكون الجهل نقصا في المعلومات، بل نظاما كاملا لإدارة الحياة بلا دليل.
الوفرة الرقمية ووهم الفهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك