تسعى باريس إلى إعادة صياغة حضورها في أفريقيا، بعد تراجع نفوذها في عدد من دول الساحل وتصاعد المنافسة الدولية، وتنامي مشاعر الرفض الشعبي لوجودها في بعض المناطق.
باريس ـ «القدس العربي»: أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الـ9 أيار/مايو الجاري وحتى الـ13 من الشهر نفسه، جولة أفريقية وُصفت بأنها قد تكون الأخيرة له قبل مغادرته السلطة في غضون عام تقريبًا؛ بدأت من مصر ثم كينيا التي احتضنت الحدث الأبرز، قبل أن تُختتم في إثيوبيا.
أتت هذه الجولة في وقت تسعى فيه باريس إلى إعادة صياغة حضورها في أفريقيا، من خلال إبراز وترسيخ شراكة متجددة، بعد تراجع نفوذها في عدد من دول الساحل وتصاعد المنافسة الدولية، علاوة على تنامي مشاعر الرفض الشعبي للوجود الفرنسي في بعض المناطق.
في مصر المحطة الأولى لهذه الجولة، دشّن إيمانويل ماكرون ونظيره عبد الفتاح السيسي افتتاح جامعة «سنغور» الفرنكوفونية في الإسكندرية، وهو مشروع يعكس رغبة باريس في تعزيز نفوذها الثقافي واللغوي في المنطقة، رغم التوجه المتزايد نحو الشراكات الاقتصادية.
كما ناقش الرئيسان ملفات إقليمية ودولية، في مقدمتها الحرب في الشرق الأوسط وتأثيراتها على الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى قضايا التعاون الثنائي في مجالات التعليم والطاقة.
وقد حرص الرئيس الفرنسي خلال هذه الزيارة على إبراز البعد الثقافي للعلاقات، في محاولة للتأكيد على استمرارية الروابط التاريخية، حتى مع تغيّر أولويات السياسة الفرنسية.
من مصر توجه الرئيس الفرنسي لنيروبي، التي شكلت المحطة الرئيسية في جولته، حيث ترأس مع نظيره الكيني وليام روتو قمة «Africa Forward» (أفريقيا إلى الأمام)، إلى جانب عدد من قادة الدول والحكومات الأفريقية والفاعلين الاقتصاديين.
وهي أول قمة فرنسية أفريقية تعقد في دولة ناطقة بالإنكليزية، في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا نحو الانفتاح على أفريقيا غير الفرنكوفونية، ورغبة في تجديد الشراكات بمقاربة ذات طابع اقتصادي تركز بشكل كبير على الاستثمار.
علاوة على ذلك أعلن الرئيس الفرنسي، خلال القمة، عن حزمة استثمارات تُقدّر بـ23 مليار يورو موجهة إلى القارة الأفريقية، تشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد البحري، والزراعة، والصحة؛ مشددا أن هذه الأموال ليست مساعدات تقليدية، بل استثمارات تهدف إلى تحقيق شراكة «متكافئة» تعود بالنفع على الطرفين.
اعتبر ماكرون أن «أفريقيا لا تحتاج إلى مساعدات بقدر ما تحتاج إلى استثمارات»، في تصريح يعكس تحوّلًا في الخطاب الفرنسي من منطق الدعم إلى منطق الشراكة الاقتصادية.
كما دعا إلى بناء علاقة جديدة تقوم على «المساواة والاحترام المتبادل»، بعيدًا عن الإرث الاستعماري.
وتحدث الرئيس الفرنسي عن نهاية ما يُعرف بـ«فرانس-أفريك»، بما يشمله من ممارسات غامضة وشبكات نفوذ موروثة عن الحقبة الاستعمارية، وفي ظل تدهور العلاقات أو حتى انقطاعها مع العديد من الدول، لا سيما في منطقة الساحل.
وشدد أيضا على أنه لم يعتبر أفريقيا الفرنكوفونية قط حديقة خلفية لفرنسا، وعلى أن زمن الوصاية على القارة انتهى منذ عام 2017، وهو تاريخ وصوله إلى السلطة.
كما حرص إيمانويل ماكرون على الدفاع عن حصيلته في أفريقيا خلال السنوات التسع التي قضاها في قصر الإليزيه، مؤكدًا أنه عمل على «إعادة اختراع» العلاقة بين فرنسا والقارة على أسس جديدة، معتبرا أن باريس انتقلت من منطق «المساعدات» إلى منطق «الشراكة والاستثمار»، ومن علاقة غير متكافئة إلى سعي نحو شراكة «ندّية ومسؤولة».
وأشار إلى أن بلاده أعادت النظر في وجودها العسكري في أفريقيا، معتبرًا أن تقليص القواعد العسكرية وإعادة صياغة التعاون الأمني يمثلان تحولًا نحو علاقة «أكثر توازنًا».
ودافع عن مقاربته في الملفات التاريخية، من خلال الاعتراف ببعض المسؤوليات المرتبطة بالماضي الاستعماري، وفتح باب استعادة الممتلكات الثقافية.
رغم الانتقادات التي واجهته، لاسيما في منطقة الساحل، أكد ماكرون أن ما تحقق خلال ولايتيه يمثل «تحولًا عميقًا» في طريقة تعامل فرنسا مع أفريقيا، مشددًا على أن الهدف كان دائمًا بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وعبر ماكرون عن استيائه مما وصفه بـ«الجحود» تجاه الدور الفرنسي في محاربة الإرهاب في المنطقة، مشيرًا إلى أن فرنسا تدخلت بطلب من الحكومات المحلية، لكنها قوبلت لاحقًا بانتقادات حادة.
وأقرّ بأنه كان ينبغي أن يكون «أكثر صرامة» في إدارة هذه الشراكات الأمنية، مؤكدًا في الوقت ذاته أن باريس أعادت النظر في استراتيجيتها العسكرية، عبر تقليص وجودها المباشر والتركيز على التعاون بشروط جديدة.
غير أن بعض مواقف الرئيس الفرنسي أثارت انتقادات، حيث اعتبرها البعض تعبيرًا عن استمرار نظرة «فوقية»، لاسيما تصريحاتها التي بدت، بالنسبة للبعض، وكأنها تحمّل الدول الأفريقية مسؤولية تدهور الأوضاع بعد انسحاب فرنسا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك