الأُذْنُ تعَشَّقُ والقَلْبُ لها يَشْجُو، وبينهما تراسل مهيج في سمع له طراوة، يشف ويمرح، ومزيد منه يطمح، هكذا الأصوات هي مزامير فطرية، فيها رهيف ترانيم، وألحان يتخثر منها اِستِلذاذ وَجْد يملئ لحظة تجانس مرغوب الإطاله.
ومن ذلك ما كان نَغَم موزون في أنماط تغاريد، ناموس تأنسه الخلائق.
والله تعالى هو الخالق، والنَغَم فيه إبراد حشا، تلوب خلجاته وتتطاير، مثل فراشات تحوم، ويبدوا فيها وجه وجسد يروم.
والعرب تقول إن إبراد مأخوذ معناه مما أُخَذَ مِنْهُ بِالمِبْرَدِ أَيْ نَحَتَهُ من صدأ خَشَن، وهذا فيه مجاز لغوي، والنَغَم حين يُسمع، تأنس به الأُذن، يطرد وحشه كحال شفرة مِبْرَد إذا سقط بُراده.
النَغَمة في الأُذن هي جرس الكلمة، وأداء الصوت طلاء نُطق، والتَّنْغِيم عند أهل اللغة مصطلح صوتي دال على الإرتفاع والإنخفاض، ومتراوح بين جهر وخفوت وثابت مستوي في هياكل لفظية من اِنساق نَغَمية، والقرآن في دوحتها سامق حين يُرتَّل فيه طراوة وحلاوة وروح تبث هداية وعبرة، والإنسان بأوتاره يُحبِّر ويتغنى، جاء في أحاديث نبوية صحيحة مثل قوله ﷺ" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ مفاده تحسين صوت، وهذا مروي مذكور، ومزيد من ذلك كالتالي؛" ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به".
وحديث" مثل قوله ﷺ: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وكذلك مدح رسول الله صلّى عليه وسلم أبي موسى الأشعري حين قال؛ " لو رَأيتَني وأنا أستَمِعُ لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مِزمارا من مزاميرِ آلِ داود"، ومنها كذلك حديث إستماع الملائكة قراءة الصحابي أسيدُ بنُ حُضيرٍ حين بلّغه النبي ﷺ؛ " تِلكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولو قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إلَيْها، لا تَتَوارَى منهمْ".
وفي هذا تأمل وعِظة وإعتبار وإتباع وإرشاد عباد، وملمح إستفراد.
وهناك من التّنغيم ما فيه براءة أثر مثل؛ تَهْويدة أمّ طفلها، حين تطبع في الأُذن صوتها في أرجوزة وحكاية تتخذها، في جرس مُشبع يبقى في باطن عقل لا يُنسى.
وهناك أشعار لها نغم دلالي بليغ، تجده مثلا في المعلقات التي ذاع صيتها، وفيها سياق منطوق تخلّل وصف؛ في تشبيب وتفخيم وإفتخار، وزخوم رنين جزالة لغة عربية.
وهنالك علم العروض وصاحبه الخليل بن أحمد الذي أدرك أصول النغم، وما فيه من إئتلاف وتنافر، يتجلّى في أوتار فطرها الله في نطق إنسان، تأسر أذن وقت تُسْمَع.
وهذا كائن أيضا في لسانيات Linguistics أُمَم عندها قابلية ألحان نَغَمية تقترب وتبتعد في ذائقة لغوية، ولعل أمة الصين أنموذج فيه حكاية؛يقول الأقدمون عندهم أن التنهَّد إذا لم يشبع النفس درجة كافية يلجؤا إلى التَّغنِّي على غرار شكل أهازيج ومساجلات شعبية، تطورت عبر الزمن وأنتقلت من الأديرة إلى الناس، حيث تكون على شكل حَبْكة قصصية على مقياس نغمة ووزن ألحان، ولهذا كثرت في موروثهم أجراس نحاسية ووترية ومزامير تُصنع من البامبو، فكثرت أنماط تذوق وعذوبه للصوت في الصين حتى قال قائلهم في أشعاره؛الحديث عن سمع الأُذن النَغم فيه مندوحة ذكر تراث الجزيرة العربية، وتنوع ما فيها من عروض وفنون تنسجم في إيقاع إداء، علّ قليل منها تُذكر؛الزامل وهو فن له شهرة في جنوب بلاد الحرمين يؤدى في مناسبات زواج وختان يتميز أداء في ببطء نغمات.
ونوع آخر يُسمى الصفقة وهو عريق يؤدى من خلال صفين متجاورين بدون حركة يتم التصفيق بشكل ايقاعي فيه شعر يُحكى، ومثلها الخطوة؛ وهي نوع مُحبب يعشقه الشباب لما فيها من قوة اداء وسرعة حركة تؤدى باستخدام الدف والزير والتنكة.
ولا يُنسى في هذا الباب حداء الجِمَال، وهي ذات طبع تتأثر به ويولِهها فتنشط وتستخف أحمالها الثقيلة في طرقها الطويلة، وقد تراها في البوادي يعتريها إعياء وكَلال من محامل وأحمال، لكنها تمدّ أعناقها ناصية إلى الحادي آذانها، بل وتسرع سير، وربما تتلف أنفاسها وهي لا تشعر باثقالها، وما ذاك إلا عشق نَغَمة تسمعها.
قيل؛ سماع الأُذن النَغَم يميل له إحساس قلب، ويكتسي صفاء، لا مكان فيه لغلظ طبع ودرن يحجب ذوق، ولهذا الجِمَال والطيور وجميع البهائم لها مع النَغَم الموزون شجون.
والسمع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، ولكن يحرك ما هو فيه، لأن الترنم مندس في الغريزة، وله فسحة تواصل مع الذات.
وللحجارةِ أهزاجٌ اذا نطقتْأجابَهَا مِنْ طُيورِ البَرِّ ناقِرُةُوحَنَّ مِنْ بينِها الكُثْبانُ عَنْ نَغمٍتُبْدِي عَنِ الصَّبَّ ما تُخْفيِ ضَمائِرُهُ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك