كعربية عاشت في قلب التحولات التي مرت بها أوطاننا في الأشهر الأخيرة، كنت أتابع كل ما يحدث من حولنا، وأنا أزداد يقينًا بأن الأوطان لا تُحمى فقط بالسلاح أو السياسة، بل أيضًا بما تحفظه في وجدان شعوبها من ذاكرة وانتماء.
وفي كل صورة، وكل مشهد، وكل نغمة، كنت أشعر أن الفن يذكرنا بمن نحن، ويعيد إلينا ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الإنسان بوطنه مهما اشتدت الظروف.
على امتداد التاريخ، كان الأمن والسياسة والاقتصاد هي الدروع الصلبة التي تحمي الحدود والمصالح.
لكن الفن، والسينما تحديدًا، كانا دائمًا الروح التي تسكن هذا الجسد؛ الذاكرة الحية التي تحرس الهوية من الذوبان في العولمة أو التشويه المتعمد من قوى الهدم.
وقد تجلى ذلك بوضوح في الأزمات الأخيرة التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط.
قد يرى البعض أن الحديث عن الفن في زمن الحروب نوع من الترف، لكنني أراه ضرورة وجودية.
ففي عصر السيولة الثقافية، لم تعد القوة الناعمة مجرد وسيلة للتأثير، بل أصبحت أحد خطوط الدفاع عن الأوطان.
وقد برهنت الشعوب العربية خلال الأشهر الأخيرة أن ارتباطها بأرضها وحدودها لم يكن موقفًا سياسيًا فحسب، بل امتدادًا لوعي جمعي تشكّل عبر الثقافة والفنون.
في مصر، كانت السينما دائمًا مرآة تعكس نبض الشارع وتطلعات الأمة.
وشهدت السنوات الأخيرة عودة قوية للدراما الوطنية، مثل" الاختيار"، ذلك العمل الذي لم يكن مجرد مسلسل تلفزيوني حظي بنسب مشاهدة قياسية، بل كان بمثابة" وثيقة وطنية" بصرية كشفت للأجيال حقائق الصراع الوجودي الذي خاضته الدولة المصرية ضد قوى الظلام.
لقد نجح هذا العمل في تحويل" الشهيد" من مجرد اسم جاف في خبر صحفي أو صورة معلقة على جدار، إلى قدوة حية تنبض بالبطولة وتعيش في قلوب الملايين، مما عزز حالة الاصطفاف الوطني خلف مؤسسات الدولة في لحظات تاريخية فارقة.
كما أن فيلم" الممر" لم يكن أقل تأثيرًا، إذ أعاد إلى الذاكرة الجمعية روح الصمود والتحدي في مرحلة" حرب الاستنزاف"، تلك المرحلة التي حاول البعض طمس بطولاتها.
وفي قلب الجزيرة العربية، نرى في المملكة العربية السعودية ودول الخليج حراكًا فنيًا مبهرًا ومتسارعًا، يتسق مع رؤية طموحة، هي" رؤية 2030"، التي تضع الثقافة والهوية في قلب عملية التحول الوطني الشامل.
وربما أن التحول الذي تشهده السينما السعودية اليوم ليس مجرد طفرة في عدد دور العرض أو ضخامة في ميزانيات الإنتاج، بل هو" انبعاث ثقافي" حقيقي يعيد اكتشاف الذات السعودية ويقدمها للعالم بفخر واعتزاز، بعيدًا عن الصور النمطية التي فُرضت عليها لعقود.
وفي السياق ذاته، نذكر مسلسل" خيوط المعازيب"، الذي يمثل نموذجًا فذًا لهذا التوجه؛ فهو لم يكن مجرد عمل درامي تاريخي يتناول حقبة زمنية في الأحساء، بل كان رحلة درامية في الذاكرة الوطنية، توثق مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع السعودي، وتبرز قيم الصبر والعمل الدؤوب والترابط الاجتماعي الوثيق.
وفي سياق تعزيز الانتماء والإحساس بالوطن، تبرز أعمال مثل" سكة سفر"، التي تأخذنا في رحلة عبر جغرافيا المملكة وتنوعها الإنساني، أو فيلم" حد الطار"، الذي غاص في خصوصية المجتمع السعودي ليقدم صورة واقعية وحميمية عن" الإنسان السعودي" وارتباطه بمنظومته القيمية وأرضه.
وفي البحرين، لم يكن المشهد بعيدًا عن ذلك، فقد بدا واضحًا كيف يظل الارتباط بالأرض والهوية جزءًا أصيلًا من الوعي الجمعي، وكيف يبقى الفن أحد وجوه هذا الانتماء الهادئ والعميق، خاصة في الأوقات التي تمر فيها المنطقة بظروف استثنائية تتطلب من الشعوب مزيدًا من التماسك.
ولا ننسى أيضًا أن الأغاني الوطنية كانت دائمًا جزءًا من هذه القوة الناعمة.
فهي، رغم بساطتها، كثيرًا ما كانت قادرة على زرع الأمل وتوحيد الشعوب في أصعب اللحظات، لتؤكد أن الفنون جميعها، لا السينما وحدها، قادرة على حمل الوجدان الجمعي.
أعتقد أن التوأمة الثقافية بين القاهرة والعواصم الخليجية تمثل ركيزة مهمة لحماية العقل العربي.
فعندما تلتقي الخبرة المصرية العريقة في صناعة الصورة مع الطموح الخليجي والإمكانات المتطورة، فإننا نكون أمام قوة ناعمة عربية قادرة على حماية الهوية من الاختراق والتشويه.
فنحن اليوم، وأمام التحولات الرقمية والمعرفية المتسارعة، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى سينما حارسة؛ سينما تمتلك الشجاعة لطرح القضايا الوطنية الكبرى، ولا تتردد في فضح المخططات التي تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي أو التشكيك في الثوابت الوطنية.
نحتاج إلى فن يرسخ مفهوم هيبة الدولة في مواجهة دعوات الفوضى، ويغرس في الأجيال أن الوطن ليس مجرد مكان نغادره حين تضيق بنا الظروف أو تتغير، بل كيان نعيش له ونحتمي به ونتشكل من ذاكرته، لأنه الملاذ الأخير حين تتبدل كل الأشياء.
ومن خلال النقاشات التي تدور بيننا دائمًا حين نجتمع مع نجوم الفن من مختلف الدول، نصل إلى قناعة واضحة بأن المسؤولية الملقاة على عاتق صناع الفن في مصر والخليج اليوم ليست مسؤولية إبداعية فقط، بل مسؤولية تاريخية أيضًا.
في النهاية، لقد برهنت شعوب الخليج خلال الأزمة الأخيرة أن رسالة الفن ليست ترفيهية كما يظن البعض، بل تحمل أبعادًا أعمق بكثير، تمتد إلى ترسيخ الانتماء وصيانة الوعي، بل وتمس الأمن القومي ذاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك