شكل الحكم الصادر، يوم الجمعة 15 ماي 2026، في حق سعد لمجرد صدمة جديدة داخل الأوساط الفنية والجماهيرية المغربية، ليس فقط بسبب إدانته بخمس سنوات سجنا نافذا من طرف محكمة الجنايات بمدينة “دراغينيان” الفرنسية، وإنما لأن الأمر يتعلق بثاني حكم ثقيل يلاحق نجم الأغنية المغربية الشبابية في قضايا اغتصاب أمام القضاء الفرنسي، بعدما سبق أن أدين ابتدائيا بست سنوات سجنا في قضية “لورا بريول” بباريس.
وأعاد الحكم الجديد طرح سؤال ظل يرافق سعد لمجرد منذ سنوات، لكنه اليوم يبدو أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل انتهت فعلا المسيرة الفنية لنجم البوب الذي قاد موجة غير مسبوقة في الأغنية المغربية الحديثة، ونجح في تحويلها من إنتاج محلي محدود التأثير إلى ظاهرة عربية رقمية كسرت الحدود؟
فخلال السنوات الماضية، اعتاد جمهور سعد لمجرد على متابعة أخباره بين قاعات المحاكم ومنصات الأغاني، لكن قرار الإدانة الأخير بدا مختلفا، لأنه يأتي بينما لا يزال المغني يواجه أساسا حكما ابتدائيا آخر بالسجن ست سنوات في ملف مشابه، ما يعني أن “لمعلم” يوجد اليوم أمام حكمين قضائيين ثقيلين، الأول بخمس سنوات في قضية “سان تروبيه”، والثاني بست سنوات في قضية باريس، في انتظار ما ستسفر عنه مراحل الاستئناف المقبلة.
ووفق وسائل إعلام فرنسية، فإن محكمة الجنايات بمدينة “دراغينيان” أصدرت حكمها بعد أسبوع من المداولات والجلسات المغلقة التي جرت بطلب من المشتكية، كما هو معمول به في قضايا الاغتصاب داخل القضاء الفرنسي.
ورغم أن النيابة العامة كانت قد طالبت بإدانة المغني المغربي بعشر سنوات سجنا، فإن المحكمة اكتفت بخمس سنوات حبسا نافذا، دون إصدار مذكرة إيداع فورية، ما يعني متابعته في حالة سراح إلى حين استكمال باقي الإجراءات القانونية.
ولحظة النطق بالحكم، ظهر سعد لمجرد متأثرا بشكل كبير داخل القاعة، حيث دخل في نوبة بكاء واحتضن زوجته ووالدتها، بينما فضل دفاعه التزام الصمت وعدم الإدلاء بأي تصريح عقب انتهاء الجلسة، في مشهد عكس حجم الضغوط التي بات يعيشها المغني المغربي بعد سنوات طويلة من المتابعات القضائية المتتالية.
وتعود وقائع القضية الجديدة إلى غشت 2018، حين أوقفت السلطات الفرنسية سعد لمجرد بمدينة سان تروبيه، بعد شكاية تقدمت بها شابة فرنسية تبلغ من العمر 28 سنة آنذاك، اتهمته باغتصابها داخل غرفة فندق، في وقت كان يتابع فيه أصلا على خلفية قضية “لورا بريول” التي تفجرت بباريس.
وأكدت المشتكية خلال التحقيقات أنها التقت المغني المغربي داخل ملهى ليلي، قبل أن ترافقه إلى الفندق من أجل تناول مشروب، لكنها قالت إن الأمور تحولت لاحقا إلى اعتداء جنسي بعدما رفضت تقبيله، متهمة إياه باستعمال العنف لإجبارها على إقامة علاقة جنسية.
في المقابل، تمسك سعد لمجرد منذ بداية القضية بفرضية “العلاقة الرضائية”، وهو الموقف الذي كرره دفاعه أكثر من مرة، مؤكدا أن الشابة رافقته بإرادتها إلى الفندق، وأن الملف لا يتضمن أدلة تثبت استعماله للعنف، غير أن غرفة التحقيق بمحكمة الاستئناف في “إيكس أون بروفانس” اعتبرت أن دخول امرأة إلى غرفة رجل لا يعني بالضرورة موافقتها على علاقة جنسية، قبل أن تحيل الملف على محكمة الجنايات التي انتهت بإدانته.
كما قضت المحكمة الفرنسية بإلزام المغني المغربي بأداء 30 ألف يورو كتعويض للمشتكية، إضافة إلى 5 آلاف يورو كمصاريف للمحاماة، بينما كان قد قضى سابقا نحو ثلاثة أشهر رهن الاعتقال الاحتياطي عقب تفجر القضية سنة 2018، قبل الإفراج عنه تحت المراقبة القضائية مع منعه من مغادرة التراب الفرنسي.
ويضاعف الحكم الأخير من تعقيد الوضع القضائي لسعد لمجرد الذي سبق أن أدين ابتدائيا بست سنوات سجنا في قضية “لورا بريول”، وهي القضية التي ما تزال بدورها مفتوحة على تطورات جديدة ومعقدة.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار متجهة نحو جلسة الاستئناف في قضية باريس، تفجر ملف مواز يتعلق بمحاولة ابتزاز المغني المغربي مقابل سحب الشكاية، بعدما قدم دفاع سعد لمجرد معطيات تفيد بأن أطرافا مقربة من المشتكية حاولت التواصل معه من أجل تسوية مالية بلغت ثلاثة ملايين يورو مقابل تراجعها عن تصريحاتها.
هذه المعطيات دفعت محكمة الجنايات الاستئنافية بمدينة كريتاي إلى تأجيل النطق بالحكم في مرحلة الاستئناف إلى أجل غير مسمى، في انتظار استكمال التحقق من تفاصيل الملف الموازي المرتبط بالابتزاز.
ورغم أن المحكمة الجنحية بباريس برأت لورا بريول نفسها من تهمتي “محاولة الابتزاز” و”تكوين عصابة إجرامية”، فإنها أدانت خمسة أشخاص آخرين بأحكام متفاوتة، من بينهم محامية المشتكية ووالدتها، حيث اعتبرت المحكمة أن بعض المتورطين حاولوا استغلال القضية للضغط من أجل الحصول على تسوية مالية.
كما أصدرت المحكمة قرارا بمنع محامية لورا بريول من مزاولة المهنة لمدة عشر سنوات مع التنفيذ الفوري، معتبرة أنها استغلت صفاتها المهنية في مشروع غير قانوني، بعدما تواصلت مع المشتكية تحت غطاء الدفاع عن النساء، قبل أن تطرح فكرة التسوية المالية.
لكن، ورغم كل هذه التطورات التي حاول دفاع سعد لمجرد استثمارها لتقوية موقفه، فإن الواقع القضائي أصبح أكثر تعقيدا بعد الحكم الجديد، خاصة وأنه بات يواجه اليوم حكمين ثقيلين في ملفين منفصلين يتعلقان بتهم الاغتصاب.
ويضع هذا التحول المسيرة الفنية لسعد لمجرد أمام أصعب اختبار منذ بدايتها، فالرجل لم يكن مجرد مغن ناجح حقق نسب مشاهدة مرتفعة، بل كان أحد أبرز الأسماء التي غيرت شكل الأغنية المغربية الشبابية خلال العقد الأخير.
فمنذ النجاح الكبير لأغنية “لمعلم”، تحول سعد لمجرد إلى ظاهرة فنية عربية، ونجح في إدخال الأغنية المغربية إلى سوق عربي ظل لسنوات طويلة خاضعا لهيمنة الإنتاج الخليجي والمشرقي.
كما ساهم في جعل اللهجة المغربية أكثر حضورا داخل المنصات الرقمية العربية، وخلق موجة جديدة من الأغاني الشبابية التي تمزج بين الإيقاعات المغربية والبوب الغربي والإنتاج السريع الموجه لمنصات الإنترنت.
كما فتح الطريق أمام جيل جديد من الفنانين المغاربة الذين استفادوا من الطفرة الرقمية التي صنعها، بعدما أصبحت الأغنية المغربية تحقق أرقاما قياسية في نسب المشاهدة والاستماع، وهو ما جعل كثيرين يعتبرونه أحد أبرز المجددين في تاريخ الأغنية المغربية الحديثة.
غير أن هذه الصورة الفنية التي بناها سعد لمجرد على مدى سنوات، اصطدمت منذ 2016 بسلسلة من القضايا والاتهامات التي لاحقته في باريس وسان تروبيه، إضافة إلى ملفات أخرى أثيرت في نيويورك والدار البيضاء، وهو ما جعل اسمه يتحول تدريجيا من رمز للنجاح الفني المغربي إلى واحد من أكثر الفنانين العرب إثارة للجدل داخل المحاكم الفرنسية.
ورغم كل ذلك، ظل سعد لمجرد يحتفظ بقاعدة جماهيرية واسعة داخل المغرب وخارجه، حيث استمرت أعماله في تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، كما واصل إصدار الأغاني وإحياء بعض الحفلات خلال فترات متفرقة من متابعته القضائية، في مؤشر على أن شعبيته لم تنهر بالكامل رغم حجم القضايا التي تطارده.
لكن بعد حكم الأمس، تبدو الأمور أكثر حساسية وتعقيدا، لأن القضية لم تعد مرتبطة بمجرد اتهامات أو تحقيقات مفتوحة، بل بأحكام قضائية متتالية قد تعيد رسم مستقبل سعد لمجرد الفني بالكامل.
ومع ترقب ما ستسفر عنه مرحلة الاستئناف في قضية “لورا بريول”، تتجه الأنظار اليوم إلى ما إذا كان نجم الأغنية المغربية سيتمكن من تجاوز هذه المرحلة الصعبة قانونيا وفنيا، أم أن سلسلة الأحكام القضائية الأخيرة ستضع فعليا نقطة النهاية لمسيرة فنان صنع مجدا استثنائيا للأغنية المغربية، قبل أن تتحول حياته إلى واحدة من أكثر القصص المثيرة للجدل في الوسط الفني العربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك