لا يمر الخامس عشر من مايو/أيار على الفلسطيني كذكرى عابرة في رزنامة الزمن، بل يبرز كجرح مفتوح منع من الالتئام رغم تقادم السنوات.
هذا اليوم في عام 1948 كان يوما فاصلا في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث أعلن فيه المستعمر الصهيوني قيام دولته المزعومة على 13% من أرض فلسطين، بعد أن شرد قرابة نصف مليون فلسطيني، وارتكب ضدهم ثلثي مجازر تلك المرحلة.
التطهير العرقي لم يتوقف منذ عام 1948 حتى اليوم، لكنه في حرب غزة الحالية ازداد تبجحا وامتشق درع الإبادة الجماعيةوتزامنا مع إعلان قيام" دولة إسرائيل" دخلت الجيوش العربية بهدف معلن وهو تحرير فلسطين، بيد أنه كان شعارا هزليا مناقضا للحقيقة؛ فقد كان مجموع أعداد قوات جنودها لا يمثل ثلث ما لدى العصابات الصهيونية، إضافة لفشلها الذريع تنظيميا وإداريا، وعدم امتلاكها لسلاح متقدم، مقابل تفوق صهيوني جلي في كل الجوانب.
وعليه رغم قوة الروح المعنوية وشراسة المقاتلين العرب، فإن الجيوش هزمت شر هزيمة.
وكان نتيجة ذلك استيلاء الصهاينة على 80% من أرض فلسطين، وتشريد قرابة المليون فلسطيني، ونسف أحلامهم وإنجازاتهم الثقافية والاقتصادية والعلمية والمعمارية وتحويلهم من أصحاب وطن إلى لاجئين مشتتين ومقطعين اجتماعيا.
فكيف لهم أن يسموا هذا الحدث الجلل بالنكبة، وكأنها كارثة طبيعية مجهولة المجرم؟ ! ما حدث كان تطهيرا عرقيا ممنهجا، صاغته مخالب الصهيونية وأعوانها، لإحلال فرية" أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" مكان أصحاب البلاد.
وهذا التطهير العرقي لم يتوقف منذ عام 1948 حتى اليوم، لكنه في حرب غزة الحالية ازداد تبجحا وامتشق درع الإبادة الجماعية، ليثبت للمتجذرين بأرضهم ألا مكان لكم هنا، هذه المقصلة التي نعايشها نبشت كل ذكرى سيئة في قاموس الإجرام الصهيوني.
رفح التي استشهدت عمرانيا، لا يزال طيفها يحوم في قلوب أهلها، المتشوقين للحظة العودة إليها؛ ليعيدوا بناء مدينتهم بأظافرهم المدماةففي عامنا الأول من حرب الإبادة الراهنة، ارتدت ذكرى هذا اليوم ثوبا أكثر قتامة.
لم يعد اللجوء مجرد حكايات تروى عن الأجداد، بل أضحى واقعا يعيشه الأحفاد تحت النيران.
شهد هذا اليوم نزوحا ملحميا من رفح نحو مواصي خانيونس، في مشهد أعاد صياغة الهجرة القسرية بأبشع صورها، كنا من ضمن قوافل النازحين الذين طووا الأرض هربا من نيران المحتل -الذي وجهنا سابقا للنزوح نحو المدينة الآمنة: رفح! -.
نزحنا جميعا من رفح نازحين ومواطنين -مليون ونصف فلسطيني- تحت النار والبارود، ولم تكن التهديدات والاعتراضات الغربية على اجتياح رفح سوى ضجيج إعلامي واه، لم تمنع آلة القتل من تحويل المدينة إلى كثبان من الرمال الصفراء.
لقد تعمد الاحتلال نسف تاريخ وحضارة المدينة، وسرق حتى الركام، ليترك انطباعا زائفا بأن الأرض كانت خالية.
لكن رفح التي استشهدت عمرانيا، لا يزال طيفها يحوم في قلوب أهلها، المتشوقين للحظة العودة إليها؛ ليعيدوا بناء مدينتهم بأظافرهم المدماة.
أما في عامنا الثاني للحرب، فقد تجلت ذكرى 15 مايو/أيار في أقسى تجلياتها الإنسانية.
كان النزوح من شمال غزة هذه المرة بلا إنذار مسبق، حيث انهمر الموت من السماء ليلا، ليجعل من الصمت رعبا لا يطاق.
ومع شقشقة الصبح، بدأت رحلة الفرار من الجحيم.
في تلك اللحظات الرهيبة، انقسمت عائلتي إلى مجموعات تسابق الموت نحو المستشفى الإندونيسي.
نجا الكثيرون، لكن أختي نهى كانت على موعد مع صاروخ غادر اختطف حياتها في لمح البصر.
تكمن مأساتنا ليس فقط في الرحيل، بل في العجز؛ حيث بقيت نهى ممدة على الأرض، وحيدة تحت القذائف، بعد أن عجزت سيارات الإسعاف والصليب الأحمر عن الوصول إليها.
الإصرار على حق العودة هو البوصلة الوحيدة التي لا تخطئ؛ فبرغم الدمار وفقدان الأحبة الذين بقوا تحت التراب أو فوقه بلا كفن، لا يزال الفلسطيني يؤمن بأن الأرض التي ارتوت بالدماء الطاهرة لن تكون يوما لغير أصحابهاوالذي يزيد القهر قهرا أن تلك المنطقة لا يزال جنود الاحتلال يسيطرون عليها، ولذلك لم ترجع عائلتي -حتى اليوم- ليتحسسوا بقعة الأرض التي استشهدت عليها نهى، ويبحثوا عن أثرها.
نهى أيها العالم ليست وحدها التي تفترش الثرى، بل إن الكرامة الإنسانية هي التي خذلت هناك.
فكما تعلمون إن دفن الموتى هو تقليد بشري يمجد الروح، فعندما تترك نهى وغيرها الآلاف فوق الثرى؛ لتنهش أجسادهم السباع الضالة، فهذا المحتل لا يسعى لقتلنا فحسب بل يرغب في طمس أثرنا عن الوجود.
وفي الوقت ذاته يدير حربا نفسية ضد الناجين من الإبادة؛ أي أن تطاردني كناجية صورة أختي وهي وحيدة في العراء، وأن يبقى عقلي يستقصي إجابات مستحيلة، مثل:كيف كان شعورها عندما لم ندفنها؟هل شعرت بالألم لأننا خذلناها؟هل سرق جنود الاحتلال جثمانها؟هذه التساؤلات وغيرها هي خيوط في شبكة الصيد التي تحكم قبضتها حول رقاب الناجين، وتجعل من كل شارع في غزة تذكيرا دائما بالوجع.
ختاما: إن ما يشهده الفلسطيني اليوم هو تطهير عرقي مستمر، ومحاولة لمسح الوجود الفيزيائي والمعنوي للإنسان الفلسطيني.
ومع ذلك، يظل الإصرار على حق العودة هو البوصلة الوحيدة التي لا تخطئ؛ فبرغم الدمار وفقدان الأحبة الذين بقوا تحت التراب أو فوقه بلا كفن، لا يزال الفلسطيني يؤمن بأن الأرض التي ارتوت بالدماء الطاهرة لن تكون يوما لغير أصحابها، وأن الفجر لا بد أن يشرق يوما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك