يحمل عنوان الديوان «لا صُلح مع السُّم»، وهو للشاعر الأسترالي من أصل لبناني شوقي مسلماني _ دار الشنفرى ـ _ تونس، وظيفةً إطاريّة تؤسّس لمنظورٍ أخلاقيّ، و«السُّم» هنا ليس مادّة فيزيائيّة بل استعارة تشير إلى الفساد القيمي، فيما النفي المطلق" لا" يُخرِج الخطاب من منطقة" الرمادي" إلى منطقة" الموقف" وبذلك يتحوّل العنوان إلى عتبة القراءة" التأويليّة" التي تحدّد أفق القراءة: نحن أمام شعر يرفض المساومة.
النصوص أيضاً تقوم على جُمل قصيرة متتابعة تكاد تكون وحدات دلاليّة مستقلّة، وهذا التفكيك البنيوي يخلق إيقاعاً متقطّعاً يُحاكي توتّراً يتجلّى بوضوح في تكرار مفردة «نظرات»، والتكرار ها هنا ليس تزيينيّاً بل آليّة بنائيّة لإعادة إنتاج السؤال: " ماذا نرى؟ كيف نرى؟ وماذا نتعمّد ألاّ نراه؟ «النظر» يتحوّل من فعل حسّي إلى فعل أخلاقي _ معرفي _ يطرح أزمة إدراك قبل أن يطرح أزمة واقع، أي إنّ الخلل يبدأ من زاوية الرؤية لا من الحدث ذاته وحسب.
تبلغ النصوص ذروات عبر استحضار «الوحوش» التي ليست عند الشاعر كائنات غرائبيّة خارج المنظومة الاجتماعيّة بل بنية سلوكيّة، والأخطر ليس وجود" الوحوش" بل: «من يزيّنون بالوحوش \ ويجلدون بسياط وحوش».
وها هنا هو ينقل" الوحوش" من حيّز العنف الصريح إلى حيّز العنف المُمَنهج والمُشرعن، إننا أمام نقد للسلطة حين تتجمّل بالقانون أو حين يُعاد إنتاج العنف تحت عناوين النظام أو الفضيلة أو الأمن.
وبهذا المعنى فالقصيدة تُمارس تفكيكاً لآليّات التطبيع: كيف يتحوّل القبح إلى مشهد اعتيادي؟ وكيف يُصبح التزيين أخطر من الفعل ذاته؟
«تتقيّد من تلقاء ذاتك \ عندما يجب أن تتنفّس ملء رئتيك"؟ يقول الشاعر، والتنفّس هنا استعارة وجوديّة للحريّة، والخطورة يرصدها ليس في القمع الخارجي فحسب بل في القبول الداخلي بالقيد، إنّها رقابة ذاتيّة تتجذّر في الوعي حتى تصبح خياراً، وهنا يتحوّل الإنسان إلى شريك في تضييق مجاله الحيوي، وبهذا المعنى يقترب مسلماني الذي وصفه الشاعر الراحل جاد الحاج في جريدة الحياة اللندنيّة إنّه" شاعر مفكّر" _ له عدّة مجموعات شعريّة ونثريّة منها مثالاً لا حصراً" حيث الذئب"، " من نزع وجه الوردة"، " الكنغارو العربي" و" أحمرة وحمرات" _ والأخير صدر عن دار الشنفرى _ تونس _ أيضاً _ من الفلسفة الوجوديّة التي ترى أن الحريّة ليست معطى سياسيّاً فقط بل مسؤوليّة فرديّة، والسؤال موجّه إلى الذات قبل أن يكون موجّهاً إلى السلطة.
اعتقادي هو إنّ الشاعر شوقي مسلماني الذي قال فيه الشاعر اسكندر حبش إنّ قصائده" كأنّها محاولة في المستحيل" وقال فيه الشاعر وديع سعادة" قصائده.
لكي تنفي المسار الوحيد لقطارات البشر" ينتمي إلى تجربة مهاجرة _ لبنان/أستراليا _ ولذا فإنّ النصّ عنده لا يحدّد جغرافيّة محدّدة: «كلّ بلدٍ فيه ما يكفي.
» من الخطأة والمجرمين، تجربة تُعمِّم، وتُخرج ذاتها من الإطار المحلّي إلى أفق عالمي، وهذه الكونيّة لا تلغي الخصوصيّة بل تمنحها بعداً شموليّاً _ بنية قابلة لإعادة الإنتاج في أي مجتمع حين تغيب المساءلة.
تتميّز نصوص ديوان «لا صُلح مع السُّم» باقتصاد لغوي واضح كما سلف وألمحنا: لا استعارات مُفرطة، لا زخرفة بلاغيّة ثقيلة، بل لغة شفّافة تخدم الفكرة، وهذا التقشّف الأسلوبي يعكس انسجام الشكل مع المضمون، فالموقف الأخلاقي، والحادّ، يحتاج إلى لغة مباشرة، قاطعة، خالية من الالتفاف، الجملة القصيرة متتابعة تؤدّي وظيفة «الطَرَقَات» الإيقاعيّة كأنّها تقرع باب الضمير قرعاً متكرّراً، ومن هنا يمكن القول إنّ الشاعر يكتب شعراً أخلاقيّ النزعة لكنّه لا يقع في المباشرة الوعظيّة لأنّ بنية السؤال لديه تبقى مفتوحة وتترك للقارئ موقعاً في المعادلة.
«لا صُلح مع السُّم» يُحمِّل الفرد مسؤوليّة النظر ومسؤوليّة الموقف ويرفض فكرة الحياد في مواجهة «السُّم».
ديوان بصيغة مقاومة ضدّ التطبيع، التزيين، والاختناق الطوعي.
وفي ما يلي من المجموعة التي تقع في 135 صفحة من القطع الوسط وصمّم غلافها الفنّان التشكيلي رامي شعبو:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك