في وقت باتت فيه كلمات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي قادرة على تحريك الأسواق في لحظات، يطرح رئيسه الأميركي الجديد كيفن وورش تساؤلاً لافتاً: هل يتحدث البنك المركزي أكثر مما يجب؟فخلال جلسة تثبيته الشهر الماضي، لم يتردد وورش في انتقاد وتيرة التواصل الحالية لمسؤولي الفيدرالي، معتبراً أنهم" يتحدثون كثيراً" عن الاقتصاد، ومشدداً على أن" البحث عن الحقيقة أهم من التكرار".
وأضاف: " حين تعقد مؤتمراً صحفياً، يجب أن تحمل رسالة مهمة بالفعل.
"، وفقاً لما ذكرته شبكة" CNN"، واطلعت عليه" العربية Business".
ويعكس هذا التصريح بداية توجه محتمل نحو إعادة صياغة واحدة من أهم أدوات السياسة النقدية الحديثة: التواصل.
من الغموض إلى الإفراط في التواصللم يكن الاحتياطي الفيدرالي دائماً بهذه الشفافية.
فعلى مدار معظم تاريخه الممتد لأكثر من قرن، ظلت قراراته، خصوصاً بشأن أسعار الفائدة، أقرب إلى ما يشبه الصندوق الأسود.
لم تكن هناك بيانات رسمية بعد الاجتماعات، ولا مؤتمرات صحافية، ولا حتى تعليقات علنية منتظمة من رئيس البنك.
وكان المتعاملون في الأسواق يعتمدون على قراءة تحركات السوق نفسها لفهم توجهات السياسة النقدية.
لكن هذا الواقع تغير جذرياً في تسعينيات القرن الماضي، حين أدخل رئيس الفيدرالي الأسبق آلان غرينسبان بيان السياسة النقدية عقب الاجتماعات في عام 1994.
ومنذ ذلك الحين، توالت الإضافات:الهدف كان واضحاً: تعزيز الشفافية، وتوجيه توقعات السوق، وتحسين مساءلة البنك أمام الجمهور.
ورش، الذي يبدأ رسمياً ولايته الممتدة لأربع سنوات، لمح إلى إمكانية تقليص هذا الزخم الاتصالي عبر ما وصفه ب" إطار جديد وأدوات جديدة"، دون تقديم تفاصيل واضحة.
ورغم أن هذه الفكرة قد تبدو جذرية، يرى خبراء أنها ليست بعيدة تماماً عن الواقع، خاصة في ظل بيئة اقتصادية تتسم بقدر عال من عدم اليقين.
لكن أي خطوة لتقليص المؤتمرات الصحافية أو إلغاء التوقعات الاقتصادية الفصلية قد تمثل تحولاً كبيراً في طريقة عمل الفيدرالي، التي أصبحت تعتمد بشكل أساسي على إدارة التوقعات بقدر اعتمادها على قرارات الفائدة نفسها.
أهمية التواصل.
لكن بشروط!في المقابل، يحذر مسؤولو الفيدرالي السابقون من التقليل من دور التواصل.
إذ تؤكد لوريتا ميستر، الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، أن" التواصل ليس أمراً ثانوياً".
وأضافت: " أنت تخاطب الأسواق، والجمهور، والكونغرس.
لكن ربما يمكن تحسين الطريقة لجعل الرسائل أكثر فاعلية".
وتدعم الأسواق هذا التوجه.
فقد أظهر استطلاع حديث لمؤسسة" بروكينغز" أن الاقتصاديين والمحللين يفضلون استمرار المؤتمرات الصحافية بعد كل اجتماع لتحديد أسعار الفائدة.
عندما تصبح الكلمات أداة للسياسة النقديةلم يعد التواصل مجرد شرح للقرارات، بل أصبح أداة قائمة بذاتها.
فالإشارات التي يرسلها الفيدرالي حول مساره المستقبلي تؤثر بسرعة على الأوضاع المالية.
وأشار الاقتصادي ديريك تانغ إلى أن هذه الإستراتيجية لعبت دوراً محورياً في 2022، عندما استخدم مسؤولو الفيدرالي توقعاتهم وخطاباتهم لإظهار جديتهم في مكافحة التضخم.
ونتيجة لذلك، تمكنت السياسة النقدية من تحقيق جزء من هدفها عبر" الكلمات" وحدها، دون الحاجة إلى رفع الفائدة بوتيرة أكبر.
لكن هذه المقاربة ليست خالية من المخاطر.
ففي أوقات التقلب الشديد، قد تتحول التصريحات إلى عبء.
على سبيل المثال، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية مرتفعة العام الماضي، حذر مسؤولو الفيدرالي من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو.
لكن هذه التوقعات لم تصمد طويلاً، بعد تراجع حدة الرسوم وقدرة الشركات على احتواء الضغوط السعرية.
كما زادت الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران من تعقيد المشهد هذا العام، ما جعل تقييم المسار الاقتصادي أكثر صعوبة.
لذلك لم يكن مفاجئاً أن يكرر الفيدرالي في بياناته الأخيرة وصف النظرة المستقبلية للاقتصاد بأنها" غير مؤكدة".
هل يمكن السيطرة على الرسائل؟حتى لو قرر وورش تقليص ظهوره الإعلامي، فإن قدرته على ضبط الرسائل ستظل محدودة.
فالنظام الفيدرالي يضم 12 بنكاً إقليمياً، لكل منها رئيسه الذي يدلي بتصريحات مستقلة.
ومع ذلك، تشير بعض المؤشرات إلى وجود دعم جزئي لهذه الرؤية؛ إذ أظهر استطلاع" بروكينغز" أن ثلث المشاركين يعتقدون أن رؤساء البنوك الإقليمية ينبغي أن يتحدثوا بشكل أقل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل أدت الشفافية المفرطة إلى" ضوضاء" تربك الأسواق بدلاً من توجيهها؟ويبدو أن الفيدرالي يقف أمام مفترق طرق بين الحفاظ على مكتسبات الشفافية، وتجنب الإفراط في رسائل قد تفقد قيمتها مع كثرتها.
وفي ظل قيادة جديدة تميل إلى تقليل الكلام والتركيز على" المضمون"، قد تشهد المرحلة المقبلة إعادة تعريف للعلاقة بين السياسة النقدية والكلمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك