فجّر قرار الحكومة السورية تحديد سعر شراء القمح للموسم الحالي موجة غضب واسعة بين الفلاحين، بعدما اعتبروا السعر المعلن أقل من تكاليف الإنتاج الفعلية، في وقت تعوّل فيه دمشق على محصول وافر هذا العام لتقليص الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي.
ويأتي القرار وسط توقعات بموسم استثنائي نتيجة وفرة الأمطار في أبرز المناطق الزراعية في شمال البلاد وشرقها، لكن مخاوف المزارعين تتزايد من أن يؤدي ضعف الأسعار التحفيزية إلى عزوف واسع عن زراعة القمح خلال المواسم المقبلة.
" هذا السعر لا يغطي حتى التكاليف"، يقول الفلاح عبد الرحمن العلي، في تعليقه على السعر الذي حددته الحكومة السورية لشراء القمح، والذي شكل صدمة كبيرة للفلاحين في البلاد التي تستورد القمح من الخارج لتغطية حاجة السوق المحلية من مادة الخبز.
وحددت وزارة الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية، السبت، سعر شراء القمح القاسي" مشوّل" (معبأ بأكياس) بـ46 ألف ليرة سورية جديدة (نحو 330 دولاراً)، على أن تصدر التعليمات التنفيذية الخاصة بالقرار في وقت لاحق.
وكان السعر في العام الفائت 320 دولاراً للنوع القاسي درجة أولى، و300 دولار للنوع الطري درجة أولى، معبأ بأكياس أو" دوكما".
ويعد سعر الموسم الحالي مجحفاً، بحسب العلي، الذي قال لـ" العربي الجديد" إن القرار يؤكد أن الحكومة ليست بصورة التكاليف العالية لزراعة القمح في البلاد، ولا سيما الوقود والأسمدة، مشيراً إلى أنه لن يكون قادراً على سداد ديون ترتبت عليه نتيجة الزراعة هذا الموسم، مضيفاً: " الشغلة ما عاد تجيب همها على الإطلاق".
ويتوقع أن يكون موسم هذا العام استثنائياً بسبب كمية الأمطار الكبيرة التي هطلت على محافظات الرقة ودير الزور والحسكة وريف حلب الشرقي، وهي أبرز المناطق التي تُزرَع بالقمح، الذي تتعامل معه سورية منذ الاستقلال قبل 80 عاماً على أنه محصول استراتيجي.
وفي مطلع الشهر الجاري، نقلت وكالة" سانا" الرسمية للأنباء عن مدير المؤسسة السورية للحبوب، حسن العثمان، قوله إن المؤسسة تمتلك بنية تخزينية تضم 37 صومعة و98 صويمعة و14 مستودعاً و27 مركز عراء.
وتشير توقعات إلى أن الإنتاج من القمح هذا الموسم قد يصل إلى أكثر من مليوني طن، وهو ما يغطي حاجة البلاد من هذه المادة.
وكانت سورية تنتج أكثر من 4 ملايين طن من القمح قبل عام 2011، وهو ما يكفي الاستهلاك المحلي ويفيض بنحو مليون طن للتصدير، قبل أن يتدنى إلى أقل من مليون طن خلال سنوات الحرب بسبب تراجع الاهتمام بهذه الزراعة الاستراتيجية، فضلاً عن انحباس المطر خلال تلك السنوات.
ولا تزال سورية تعتمد على استيراد القمح، وبخاصة من روسيا وأوكرانيا، لتغطية حاجة السوق المحلية، وبخاصة مادة الخبز التي تعد أساسية على موائد السوريين.
وهذه المرة الأولى التي تضع فيها الدولة السورية يدها على كامل إنتاج البلاد من القمح منذ عام 2013، وهو العام الذي بدأت فيه المناطق المنتجة للقمح بالخروج عن سيطرة دمشق، ولا سيما في الشمال الشرقي من البلاد.
وظلت الإدارة الذاتية الكردية تتحكم بالكمية الأكبر من إنتاج البلاد من القمح لنحو عشر سنوات متواصلة، وهو ما دفع النظام البائد إلى تقنين شراء الخبز للمواطنين عبر بطاقات ذكية.
وتعليقاً على السعر الجديد الذي أعلنته الحكومة، السبت، لشراء القمح من الفلاحين، أبدى المهندس الزراعي عبد العظيم ح.
، في حديث مع" العربي الجديد"، استغرابه تصرف الحكومة التي كما يبدو لا تدفع باتجاه دعم الزراعة، أحد أهم موارد الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن هناك حالة من الاستياء لدى الفلاحين في محافظة الرقة حيث يقيم.
وأضاف: " تصرف الحكومة صادم.
كنا ننتظر سعراً لا يقل عن 440 دولاراً حتى يتمكن الفلاح من تحسين معيشته، وكي يتحمس للاستمرار في الزراعة".
وأشار إلى أن الزراعة في سورية تعيش أوضاعاً صعبة للغاية، وبخاصة المحاصيل الاستراتيجية من قمح وقطن، مضيفاً: " على الحكومة أن تستدرك، وأن تضع خططاً فاعلة للنهوض مجدداً، وأسعاراً مشجعة للفلاح، وإلا فسنجد أنفسنا نستورد كل شيء من الخارج".
وفي السياق، رأى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، أن عدم تغطية سعر شراء محصول القمح من قبل الحكومة لتكاليف الفلاح، مع هامش ربح مناسب، سيدفعه إلى عدم زراعته في الموسم القادم والتحول نحو مزروعات أخرى أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
وتابع: " وهذا يهدد محصولاً استراتيجياً تحتاجه سورية لأمنها الغذائي.
يجب أن نعمل على الاكتفاء الذاتي من القمح عبر دعم الفلاحين بشكل مناسب يغطي التكاليف المحلية، فالأمر برأيي مرتبط بأبعاد سيادية للبلاد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك