سلّطت حلقة (2026/5/17) من برنامج" المخبر الاقتصادي" الضوء على الأزمة المتفاقمة التي تعيشها كوبا بعدما تحولت أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء إلى تهديد مباشر لحياة ملايين السكان، في ظل تشديد غير مسبوق للعقوبات الأمريكية التي دفعت البلاد إلى واحدة من أصعب أزماتها منذ عقود.
وتستعرض الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) واقعة عاشها أطباء في مستشفى للأطفال بالعاصمة هافانا، حين انقطع التيار الكهربائي فجأة أثناء إجراء عملية جراحية لطفل رضيع، ما أدى إلى توقف أجهزة المراقبة والتنفس للحظات حرجة قبل أن تعمل المولدات الاحتياطية وسط حالة من الذعر داخل المستشفى.
list 1 of 4في ظل الحصار الأمريكي.
استعادة الكهرباء بكوبا بعد انقطاع واسع النطاقlist 2 of 4كوبا تحت تهديد ترمب.
هل يتحول الحصار إلى غزو؟list 3 of 4المرصد يتابع الحصار الأمريكي على كوبا وحادثة عشاء مراسلي البيت الأبيضlist 4 of 4الرئيس الكوبي ردا على تهديدات ترمب: لن نستسلموفي أقسام أخرى، اضطر الطاقم الطبي إلى استخدام مضخات تنفس يدوية لإنقاذ الأطفال حديثي الولادة بعد تعطل الحضّانات وأجهزة الإنعاش، في صورة تعكس حجم الانهيار الذي أصاب القطاع الصحي نتيجة أزمة الطاقة الحادة التي تضرب الجزيرة منذ أشهر.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند المستشفيات فقط، إذ تعاني كوبا من انقطاعات كهربائية طويلة قد تصل إلى 20 ساعة يوميا، فيما شهدت البلاد في مارس/آذار الماضي انقطاعا شاملا للكهرباء، ما تسبب في شلل واسع طال النقل والخدمات والأنشطة الاقتصادية.
ويرى المخبر الاقتصادي أن ما تواجهه كوبا يتجاوز حدود الأزمة الاقتصادية التقليدية بعدما تحولت ندرة الوقود إلى عامل يهدد الأمن الغذائي وإمدادات المياه والخدمات الأساسية، في وقت تجد فيه الحكومة نفسها عاجزة عن تأمين احتياجات البلاد من الطاقة المستوردة.
ولفهم جذور هذا المشهد، يعود البرنامج إلى التاريخ الطويل للعلاقات المتوترة بين واشنطن وهافانا والذي بدأ منذ القرن التاسع عشر، حين نظرت الولايات المتحدة إلى كوبا باعتبارها امتدادا طبيعيا لنفوذها في منطقة الكاريبي القريبة من سواحل فلوريدا.
وبعد تحرير كوبا من الاستعمار الإسباني عام 1898 بمساعدة أمريكية، فرضت واشنطن ما عرف بـ" تعديل بلات"، الذي منحها حق التدخل العسكري والسيطرة على السياسة الخارجية الكوبية، إلى جانب إنشاء قواعد عسكرية أبرزها قاعدة غوانتانامو التي ما تزال قائمة حتى اليوم.
وخلال العقود اللاحقة، توسعت الشركات الأمريكية في السيطرة على قطاعات واسعة من الاقتصاد الكوبي، شملت المناجم والمرافق العامة وصناعة السكر والبنوك، ما أثار غضبا متزايدا داخل الجزيرة ومهّد لصعود الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو أواخر خمسينيات القرن الماضي.
ومع انتصار الثورة عام 1959، انتهى النفوذ الأمريكي المباشر في كوبا، بعدما اتجه كاسترو إلى تأميم الشركات الأمريكية والتحالف مع الاتحاد السوفياتي، في خطوة اعتبرتها واشنطن تحديا مباشرا لنفوذها التاريخي في القارة الأمريكية خلال ذروة الحرب الباردة.
ودفع هذا التحول الولايات المتحدة إلى تبني سياسة عدائية طويلة تجاه كوبا، بدأت بمحاولة غزو خليج الخنازير الفاشلة عام 1961، ثم فرض الحظر التجاري الشامل عام 1962، بهدف خنق اقتصاد الجزيرة ودفع النظام الجديد نحو الانهيار أو تقديم تنازلات سياسية.
ورغم تغير الإدارات الأمريكية بين جمهورية وديمقراطية، بقيت العقوبات المفروضة على كوبا قائمة لعقود، إلى أن شهدت العلاقات انفراجة محدودة في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي أعلن عام 2014 بدء مسار لتطبيع العلاقات بعد أكثر من نصف قرن من القطيعة.
وشملت خطوات أوباما إعادة فتح السفارات وتخفيف قيود السفر والتجارة، كما زار هافانا عام 2016 في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى كوبا منذ عقود، في محاولة لاستبدال سياسة العزل التقليدية بما وصفه بسياسة الانخراط والقوة الناعمة.
لكن هذا المسار لم يستمر طويلا، إذ أعاد دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017، العلاقات إلى نقطة الصفر، عبر تشديد العقوبات الاقتصادية وإلغاء معظم إجراءات الانفتاح التي اتخذتها إدارة أوباما تجاه الجزيرة الكاريبية.
ومع عودته مجددا إلى السلطة مطلع 2025، صعّد ترمب ضغوطه على كوبا بصورة أكبر، كان أبرزها إعادة إدراجها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض قيود إضافية على التحويلات والتعاملات المالية والتجارية المرتبطة بها.
وتشير المعطيات التي تناولها التقرير إلى أن الأزمة تفاقمت بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إذ كانت فنزويلا توفر لكوبا جزءا كبيرا من احتياجاتها النفطية بأسعار مدعومة، قبل أن تتوقف الإمدادات تحت ضغط العقوبات الأمريكية الجديدة.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي حالة طوارئ وطنية وهدد بفرض عقوبات على أي جهة تحاول تزويد كوبا بالنفط، كما اعترضت واشنطن ناقلات كانت متجهة إلى الجزيرة، ما أدى إلى تراجع حاد في واردات الوقود وشل قطاعات حيوية كاملة.
وأدى نقص الوقود إلى تعطل وسائل النقل وتراجع إمدادات المياه والغذاء، كما أعلنت وزارة الصحة الكوبية تراكم أكثر من 96 ألف عملية جراحية مؤجلة، بينها آلاف العمليات الخاصة بالأطفال، نتيجة الانقطاعات الكهربائية المتكررة ونقص الطاقة داخل المستشفيات.
وفي خضم هذه الأزمة، تتزايد التساؤلات حول قدرة كوبا على الصمود أمام الضغوط الأمريكية المتصاعدة، خصوصا مع تلويح ترامب بالخيار العسكري، غير أن المخبر الاقتصادي يرى أن النظام الكوبي، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة، ما يزال قادرا على تجنب الانهيار حتى الآن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك