بينما تتجه الأنظار نحو الولايات المتحدة، التي تستضيف كأس العالم 2026 بالشراكة مع كندا والمكسيك، تعود ذاكرة عشاق" الألبيسيلستي" إلى عام 1994؛ تلك النسخة التي حملت في طياتها مأساة خروج الأسطورة دييغو مارادونا المهين بسبب تعاطيه المنشطات، ليطوي بذلك حقبة ذهبية وسط مرارة الإقصاء المبكر.
اليوم، وبعد 32 عاماً، من تلك النكبة التاريخية، تعود الأرجنتين إلى الأرض ذاتها، لكن بقلب أكثر نضجاً.
ليونيل ميسي، الذي حمل لسنوات عبء المقارنة الدائمة مع مارادونا، يقف اليوم في سن الـ39 عند مفترق طرق.
list 1 of 2البرتغال تتجاوز تشيلي وديا وتتأهب لرحلة المونديالlist 2 of 2العب وغادر فورا.
قيود لوجستية غير مسبوقة تواجه إيران في المونديالهي ليست مجرد بطولة إضافية، بل هي" الرقصة الأخيرة" التي يسعى من خلالها ميسي لتجاوز أشباح الماضي.
فإذا نجح في قيادة" الألبيسيلستي" للقب ثانٍ على التوالي، فإنه لن يعادل إنجاز البرازيل التاريخي في 1962 فحسب، بل سيمحو أيضاً مرارة 1994 إلى الأبد.
لم يكن خروج الأرجنتين من كأس العالم 1994 مجرد إقصاء رياضي عابر، بل كان بمثابة" زلزال عاطفي" هز أركان كرة القدم الأرجنتينية.
ففي تلك النسخة التي استضافتها الولايات المتحدة، كانت الأرجنتين تعوّل على" الفتى الذهبي" دييغو مارادونا لقيادة كتيبة مفعمة بالنجوم نحو استعادة العرش.
لكن في لحظة خاطفة، انقلبت الأحلام إلى كابوس مدوٍ؛ حين جاءت نتائج الفحص الطبي لتعلن ثبوت تعاطي مارادونا للمنشطات، ليصدر قرار بطرده من البطولة.
تلك الواقعة لم تنهِ مشوار مارادونا المونديالي فحسب، بل كسرت حلقة الوصل بين جيلٍ كان يتنفس كرة القدم وبين بطله.
لقد خيم شبح تلك اللحظة القاسية على الأجيال اللاحقة، حيث بقيت صور مارادونا وهو يغادر الملعب ممسكاً بيد الممرضة كرمزٍ لـ" الانكسار الكبير" الذي تركه خلفه، مما جعل أي عودة أرجنتينية للملاعب الأمريكية تبدو وكأنها محاولة لمداواة جرحٍ غائرٍ لم يندمل تماماً، ومسعىً لتطهير الذكريات من غبار تلك" الخطيئة" التاريخية التي أجهضت حلم جيلٍ بأكمله.
داخل معسكر المنتخب في كانساس سيتي، لا يبدو المشهد مثالياً؛ فميسي لا يزال يتعافى من إصابة في العضلات الخلفية، تماماً كما هو حال عدد من الركائز الأساسية، بدءاً من الحارس إيميليانو مارتينيز الذي يصارع كسراً في إصبعه، وصولاً إلى روميرو ومولينا وباريديس الذين ينوءون تحت وطأة إجهاد عضلي.
وعن هذا الواقع، يعلق المدرب ليونيل سكالوني بواقعية تغلّفها المسؤولية: " كنا نود أن يصل الجميع في حالة مثالية، لكن هذه هي ضريبة المسيرة الطويلة".
ورغم هذه الغيوم، يتمسك سكالوني بفلسفة الاستمرارية، معتمداً على 17 لاعباً من القائمة التي اعتلت عرش العالم في 2022.
يقول سكالوني حول خياراته التي تتجاوز مجرد الأرقام إلى الولاء للقميص: " لماذا نغير من أثبتوا استحقاقهم؟ مستواهم لم ينخفض، ورغبتهم في الحضور لا تزال متقدة".
لكن في هذا المزيج، يبرز غياب" الجوهرة" أنخيل دي ماريا الذي اعتزل دولياً في 2024، كفراغ يعترف سكالوني باستحالة ملئه، قائلاً: " ميسي ودي ماريا لا يمكن تعويضهما".
على الجانب الآخر، لا يزال" البرغوث" يتوق للكرة كما لو كان في بداياته.
ففي حوار عفوي، كشف ميسي أن روحه التنافسية التي قادته إلى منصات التتويج لا تعرف المهادنة، حتى في ألعاب الفيديو مع أطفاله.
وهو المشارك اليوم في النسخة السادسة من المونديال يحمل في جعبته الرقم القياسي كأكثر اللاعبين مشاركة في المونديال (26 مباراة)، ولا يبعد سوى 4 أهداف عن رقم ميروسلاف كلوزه التاريخي (16 هدفاً).
يحرص ميسي على نزع فتيل الضغط عن كاهل فريقه، مدركاً أن الواقع يفرض عليه احترام المنافسين.
" هناك منتخبات في حالة بدنية أفضل"، يقول ميسي بتواضع الحكماء، مدركاً أن كرة القدم لا تعترف بالتاريخ بقدر ما تعترف بالجاهزية في اللحظة الحاسمة.
وبينما يستعد العالم لمشاهدة المباراة الافتتاحية للأرجنتين ضد الجزائر في 16 حزيران/يونيو، تتجاوز الحكاية مجرد مواجهة رياضية.
إنها لحظة استحضار للذكريات المريرة وتحويلها إلى وقود لانتصار محتمل، ووقفة لرؤية المستقبل بدون ميسي.
سكالوني يختصر كل شيء: " التفكير في عدم رؤية ميسي على العشب يبعث على الحزن كما فعل مارادونا؛ لذا أفضل الاستمتاع بالحاضر".
بين ذكريات 1994 المرة وطموح 2026 الذهبي، تتهيأ الأرجنتين لمشهد ختامي قد يخلّد ميسي كأعظم من لمس الكرة، في رحلة تبدأ في كانساس سيتي وتنتهي بحلمٍ يأمل ملايين الأرجنتينيين أن يتوج بلقبٍ ثانٍ توالياً، يغلق به ميسي الفصل الأخير من روايته الأسطورية.
تستهل الأرجنتين رحلتها المونديالية في 16 حزيران/يونيو الحالي ضد الجزائر ضمن المجموعة العاشرة، التي تضم أيضاً النمسا والأردن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك