في هذه المساحة يسرد أستاذ جامعي ما تحتفظ به ذاكرته المنهكة من تفاصيل دورة حوثية حضرها مجبراً في مرفقات جامع الصالح أثناء بقائه في صنعاء قبل أن يغادرها مؤخراً.
هذه الدورة التي شارك فيها الأستاذ الجامعي، الذي طلب عدم ذكر اسمه منعاً لما يمكن أن يتعرض له أقاربه من أذى، مع جمع كبير من زملائه الأكاديميين أعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء وجامعات يمنية أخرى الذين حصلوا على شهادة الدكتوراة من مختلف بلدان العالم ووجدوا أنفسهم مجبرين على سماع ومناقشة محاضرات وملازم حسين وعبدالملك الحوثي بعد أن تهربوا كثيراً من الحضور.
لم تكن عقوبة قطع الرواتب كافية ليجدوا أنفسهم أمام عقوبة أخرى تنطوي على إهانة وسحق لشخصياتهم وللشطر الأعظم من أعمارهم الذي قضوه في التحصيل العلمي والبحث ونقل معارفهم لطلبتهم في قاعات الجامعات.
ننشر هذه المادة في سلسلة حلقات.
الدورة بين الرتابة والإكراه تجربة مثقلة بالضجرفي هذه الدورة كان من الواضح أن الغالبية العظمى من الحاضرين لم يأتوا عن قناعة أو رغبة، بل جاؤوا تحت الضغط والإكراه, الجميع تقريبًا يدرك مسبقًا طبيعة البرنامج، ويعرف أنه لا يحمل قيمة علمية أو فكرية تستحق الحضور أو الإنصات، فالبرنامج من بدايته إلى نهايته ليس سوى إعادة تدوير لخطابات ومحاضرات سابقة لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وأخيه حسين بدر الدين الحوثي، وهي مواد سبق لكثير من الحاضرين أن تعرضوا لها في سنوات سابقة، وحتى وصفها بـمحاضرات أو دروس هو استخدام مجازي، لأنها في حقيقتها لا ترقى إلى الحد الأدنى من البناء العلمي أو المنهجي الذي يُفترض في أي محاضرة أكاديمية.
الأمر اللافت أن القائمين على هذه الدورات يبدون مقتنعين تمامًا بمحتواها، بل ويظهرون إيمانًا عميقًا بما يقدم فيها وكأنهم يخاطبون جمهورًا لم يسمع هذه الأفكار من قبل، والأعجب من ذلك أن الخطاب ذاته يقدم دون أي مراعاة لطبيعة الحاضرين، رغم أنهم نخبة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات اليمنية، يمثلون شريحة متقدمة علميًا وفكريًا في المجتمع، فلا يوجد أي تمييز بين ما يقدم لهذه الفئة وما يقدم لعامة الناس، إذ تعرض نفس المواد بنفس الأسلوب وبنفس المستوى السطحي والمكرر.
كان الوقت في الدورة يمضي ببطء شديد رتيبًا ومملًا إلى حد الضجر، تخيل نفسك منقطعًا عن أهلك وأصدقائك ومجتمعك معزولًا عن كل شيء، إلا من برنامج لا يشبه أي برنامج في العالم من حيث السذاجة والرداءة والسطحية.
وزاد الأمر سوءً غياب أي انسجام مع القائمين على الدورة، ولا سيما ميسرها الذي كان شابًا في العشرينيات محدود الثقافة واللياقة والأدب، وكانت مداخلاته منفرة ومقززة ويتعامل مع الدكاترة وكأنهم طلاب في المرحلة الابتدائية.
فعلى سبيل المثال كان النعاس يغلب الدكاترة لأسباب من أهمها أن البرنامج لا يستحق الاستماع، ومع ذلك كان هذا الشخص الذي لم أعد أذكر من اسمه سوى الشامي، يترك المنصة وينتقل إلى أوساط المشاركين ليوقظهم وينبههم إلى أهمية وضرورة الاستماع لما يقدم من هرطقات زعيمهم أو الهالك حسين الحوثي.
وكان سلوكه يوحي وكأنهم حريصون على ألا تفوت المشاركين الفائدة وكأن المتحدث أحد كبار مفكري الأمة أو علمائها.
والمفارقة أنك تستمع إلى شخص يلوك الكلام دون أن يستطيع صياغة جملة صحيحة متماسكة، فضلًا عن أن أسلوب الميسر في التنبيه كان غير مهذب ويحمل في طياته نوعًا من الإهانة.
وقد قوبل سلوك الميسر باستهجان وامتعاض كثير من المشاركين من أعضاء هيئة التدريس؛ إذ كيف لشخص غر أرعن أن يتعامل مع قامات علمية، كل في تخصصه بهذه الطريقة غير اللائقة؟لقد بدت الدورة وكأنها عقوبة، وكأن القائمين عليها يجدون متعة في تعذيب المشاركين.
وكان واضحًا على وجوه الحاضرين أثر الامتعاض والضجر والتبرم من البرنامج، رغم توفر الخدمات من طعام وشراب وقات، إذ حرص المنظمون على الإغداق ظنًا منهم أن ذلك قد يؤثر في القناعات متناسين أن الأفكار هي آخر ما يمكن التخلي عنه، وأن هذا الأسلوب القسري لم يعد مجديًا في عالم اليوم.
وفي ظل هذا الجو الخانق كنت أضطر مرارًا إلى مغادرة القاعة بحجة الذهاب إلى الحمام هروبًا من الواقع المفروض، حتى أصبح الحمام ملاذًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهكذا كان حال أغلب المشاركين يلوذون بالخروج إلى الحمام لمجرد تغيير الجو.
في المجمل يمكن القول إن التجربة برمتها ثقيلة على المشاركين نفسيًا وذهنيًا، ليس فقط بسبب طول البرنامج، بل بسبب طبيعته المتكررة ومحتواه المحدود، ما يجعل الأسبوع الذي تقضيه داخل هذه الدورات يبدو وكأنه يمتد لشهور.
سقوط الأسد كمتغير أربك خطاب الحوثيين في الدورة!كانت تلك الدورة تعقد في خضم أحداث الثورة السورية، وفي أوج التحولات التي شهدتها الساحة السورية، ومنذ ذلك الحين يمكن القول إنني لم أشاهد جماعة الحوثي في حالة مشابهة من القلق والتوتر كما بدت خلال تلك الفترة، فقد انعكست مظاهر الخوف والارتباك بوضوح على من كانوا يديرون الدورة ومن الذين يزورونها، الأمر الذي يثير تساؤلات أعمق حول الحالة النفسية والسياسية للقيادة الحوثية نفسها.
ولم يقتصر الأمر على الملاحظات العامة، بل وصل إلى حد التصريح المباشر؛ إذ عبر بعض الحوثيين عن قلقهم مما جرى في سوريا في أكثر من مناسبة، فعلى سبيل المثال خاطب أحد القيادات المعروف باسم “أبو زيد” – والذي قيل إنه يشغل موقعًا متقدمًا في جهاز التعبئة – الحاضرين بنبرة بدت أقرب إلى الاستعطاف قائلاً: هل ستقفون معنا؟ ، وهو تساؤل يعكس حالة من عدم اليقين وربما الخشية من تكرار السيناريو السوري في اليمن.
ومع تأكد سقوط دمشق وفرار بشار الأسد تحول الخطاب الحوثي إلى مسار آخر قائم على بث الشائعات والتشكيك في طبيعة ما حدث، فقد بدأ الترويج لروايات تفيد بأن ما جرى في سوريا لم يكن سوى مؤامرة تقودها أمريكا وإسرائيل وبعض الأنظمة العربية، في إطار استهداف ما يسمى بـمحور المقاومة.
ومن أبرز تلك الشائعات التي كانت تطرح بشكل متكرر علينا وكأنها أخبار عاجلة، الحديث عن قيام “الدواعش” يقصد ثوار سوريا بقتل علماء ذرة سوريين، أو تصفية خبراء في الصواريخ والتصنيع الحربي، حيث كانت هذه الروايات تتغير في تفاصيلها وتتصاعد في أعداد الضحايا مع مرور الوقت، وهكذا ظلوا على هذا الموال حتى نهاية الدورة، وكان الهدف الواضح من ذلك ترسيخ صورة ذهنية لدى المشاركين بأن ما يحدث في سوريا ليس ثورة شعبية، بل عمل تخريبي تقوده عصابات لخدمة أجندات خارجية.
وفي خضم هذا الطرح برز سؤال عفوي من أحد الحاضرين: هل بشار الأسد ذو التوجه البعثي يعد من محور المقاومة مثل “أنصار الله” في اليمن وحزب الله في لبنان؟ وهو سؤال أحدث ارتباكًا واضحًا لدى المتحدث نظرًا للتناقض بين الخطاب الأيديولوجي المعلن للنظام السوري القائم على البعث والعلمانية، وبين إدراجه ضمن هذا المحور الذي يصف نفسه بالإسلامي.
هذا السؤال كشف تناقضًا في الطرح؛ إذ كيف يمكن إدراج نظام يعلن تبنيه للفكر البعثي العلماني ضمن إطار المقاومة ذي الطابع الأيديولوجي المختلف؟ وقد جاء الرد مرتبكًا، حيث قيل إن الأسد ضمن هذا المحور رغم عدم التزامه الديني، بل ذهب المتحدث إلى ربط انتكاسته بسلوكيات شخصية مثل مظهر زوجته، وهو تفسير بدا أقرب إلى اجتهاد فردي منه إلى موقف فكري متماسك.
أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (1).
حاملو الدكتوراة مجبرون على سماع ومناقشة هذيان حسين وعبدالملك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك