في مسيرة تمتد لعقود من العطاء الفني والتربوي، يواصل الفنان التشكيلي البحريني فريد بوقيس تقديم مشروعه البصري القائم على الجمال والهوية والارتباط العميق بالإنسان والمكان، مؤمنًا بأن الفنان الحقيقي لا ينفصل عن مجتمعه ووطنه، بل يتحول في اللحظات المفصلية إلى صوت بصري يعكس مشاعر الناس ووجدانهم الجمعي.
وخلال هذا الحوار، يتحدث بوقيس العضو المؤسس لجمعية البحرين للفنون التشكيلية ل" البلاد" عن تحولات المشهد التشكيلي البحريني اليوم، وعلاقته الخاصة بالألوان، وانتقاله من المدرسة التأثيرية إلى التجريد، كما يتوقف عند مسؤولية الفنان الوطنية والإنسانية، مؤكدًا أن الفن ليس مجرد تقنية أو مهارة، بل روح وتجربة ووعي وهوية.
كيف تنظرون إلى دور جمعية البحرين للفنون التشكيلية اليوم في رسم ملامح المشهد التشكيلي، وما المسؤولية التي تقع على عاتقها في دعم الفنانين وصناعة جيل جديد من المبدعين؟استطاعت جمعية البحرين للفنون التشكيلية أن تتجاوز دورها التقليدي كمؤسسة ثقافية لتصبح شريكًا حقيقيًا في صناعة الحراك الفني وتوجيهه نحو آفاق جديدة.
فهي اليوم لا تقتصر على تنظيم المعارض والأنشطة الفنية فحسب، بل أصبحت مساحة حيوية لاحتضان التجارب الإبداعية وصقل المواهب وخلق بيئة تفاعلية تجمع بين الفنانين من مختلف الأجيال والخبرات.
وتؤدي الجمعية دورًا مهمًا في تعزيز الحوار الفني وفتح المجال أمام تبادل الأفكار والتجارب، بما يسهم في إثراء المشهد التشكيلي وتطوير أدواته.
كما أنها تسعى إلى بناء جسور بين الفنان المحلي والمشهد الفني الإقليمي والدولي، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفن المعاصر.
وأعتقد أن المسؤولية الملقاة على عاتق الجمعية اليوم أصبحت أكبر من أي وقت مضى، خصوصًا فيما يتعلق بدعم الفنانين الشباب، ليس فقط عبر توفير منصات لعرض أعمالهم، وإنما من خلال تبني برامج مستدامة للتدريب والتأهيل وورش العمل والإقامات الفنية، بما يساعد على اكتشاف الطاقات الجديدة وصقلها وتمكينها.
درست أكاديميًا في البحرين ثم واصلت رحلتك في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة -حلوان… كيف شكّلت الدراسة الأكاديمية وعيك الفني والإنساني؟الدراسة الأكاديمية كانت مرحلة مفصلية جدًا في حياتي، لأنها لم تمنحني المهارة فقط، بل غيّرت طريقة رؤيتي للفن والحياة.
بدايتي كانت في المعهد العالي للمعلمين – تخصص التربية الفنية في البحرين، وهناك تعلمت الأساسيات الأولى على يد أساتذة تركوا أثرًا كبيرًا في تجربتي، ومن بينهم الأستاذ أحمد باقر الذي تأثرت بأسلوبه كثيرًا، خصوصًا في الاتجاه التجريدي وطريقة التعامل مع المساحات واللون ثم تجربتي الأهم وهي الدراسة في كلية الفنون الجميلة بحلوان في مصر بين عامي 1974 و1979، والتي كانت محطة مفصلية في مسيرتي.
في مصر تعرّفت على مدارس فنية وتجارب متنوعة، واحتككت بحركة تشكيلية غنية وعميقة، ما وسّع رؤيتي للفن ومنحني فهمًا أعمق للون والتكوين والتجريب.
هذه التجربة لم تضف لي مهارة فقط، بل ساعدتني على بناء شخصيتي الفنية والبحث عن هويتي الخاصة المرتبطة بالبيئة البحرينية والجماليات التجريدية.
ولهذا عندما عدت إلى البحرين وعملت مدرسًا للتربية الفنية، كنت حريصًا على أن أنقل للطلاب فكرة أن الفن ليس مادة دراسية فقط، بل وسيلة لبناء الإنسان، والوعي والجمال والانتماء.
كيف ترى حضور الفن البحريني اليوم في المشهد الخليجي والعربي؟الفن البحريني اليوم يعيش مرحلة مهمة جدًا من النضج والتطور، وهناك حضور واضح ومؤثر للفنان البحريني على مستوى الخليج والوطن العربي.
في الماضي كان عدد الفنانين محدودًا جدًا، وربما لا يتجاوز العشرات، وكانت مشاركة المرأة قليلة، أما اليوم فالصورة تغيرت بشكل جميل ومبشر.
ألاحظ أن حضور الفنانات أصبح لافتًا جدًا، وربما تصل النسبة اليوم إلى سبعين بالمئة مقابل ثلاثين بالمئة للرجال، وهذه ظاهرة إيجابية تعكس تطور المجتمع البحريني ووعي المرأة ودورها الثقافي والفني كذلك أصبح لدينا تنوع كبير في المدارس والأساليب الفنية، من التجريد إلى السريالية والأساليب المعاصرة، وأصبح الفنان البحريني قادرًا على المنافسة خارجيًا بثقة وحضور حقيقي.
هل تؤمن أن الفنان يولد بأسئلته قبل أن يولد بموهبته؟بالتأكيد، لأن السؤال هو بداية الوعي الفني.
الفنان الحقيقي لا يكتفي برؤية الأشياء كما هي، بل يبحث دائمًا عمّا خلفها، ويحاول أن يفهم المعنى والإحساس والبعد الإنساني فيها والموهبة مهمة، لكنها وحدها لا تكفي.
الفنان يحتاج إلى قلق فكري وأسئلة داخلية تدفعه للتجريب والتطور واكتشاف ذاته باستمرار.
وربما لهذا السبب انتقلت شخصيًا من المدرسة التأثيرية والطبيعة والبيئة البحرينية القديمة إلى التجريد، لأنني شعرت أن التجريد يمنحني مساحة أوسع للتعبير الجمالي والروحي.
ما الذي تبحث عنه في الفن؟ التعبير أم الاكتشاف أم النجاة من صخب الحياة؟أبحث عن الجمال أولًا، وعن الحالة النفسية التي يتركها العمل الفني داخل الإنسان.
ربما لا أميل إلى اللوحات التي تعتمد على الحكاية المباشرة، بقدر اهتمامي بالقيم الجمالية والعلاقة بين اللون والمساحة والإيقاع البصري.
الفن بالنسبة لي مساحة تأمل واكتشاف داخلي، وهو أيضًا نوع من الراحة الروحية وسط صخب الحياة.
حين أرسم أشعر أنني أعيش حالة مختلفة من الصفاء.
وأجمل ما يمكن أن يحققه العمل الفني بالنسبة لي أن يقف المتلقي أمام اللوحة ويشعر بالسعادة أو الراحة حتى لو لم يكن متخصصًا بالفن.
علاقتك بالألوان تبدو جزءًا أساسيًا من هويتك الفنية؟اللون بالنسبة لي هو روح العمل الفني، ولذلك أوليته اهتمامًا كبيرًا طوال مسيرتي.
كنت دائمًا أبحث عن لغة لونية خاصة بي، وعن ألوان تمنح اللوحة حضورها وقوتها البصرية.
أحب الألوان الصريحة والزاهية والمباشرة لأنها تمتلك قدرة على جذب المتلقي وإثارة إحساسه بالجمال والحياة.
وأعتقد أن الفنان مع الوقت يصبح معروفًا بلغته اللونية كما يُعرف الكاتب بلغته الأدبية.
ما أكثر فكرة إنسانية أو فلسفية شغلتك خلال مسيرتك؟الإنسان وعلاقته بالمكان والهوية.
أنا مؤمن جدًا بأن الفنان يجب أن يكون ابن بيئته، لأن البيئة هي الذاكرة الأولى للفنان.
البحرين بالنسبة لي مصدر غني جدًا بالإلهام؛ البحر، الضوء، البيوت القديمة، العلاقات الإنسانية، التفاصيل الشعبية، كل هذه العناصر تسكن داخلي حتى عندما أقدّم أعمالًا تجريدية.
ولهذا دائمًا أنصح طلابي بالاقتراب من بيئتهم وفهمها بصريًا وإنسانيًا، لأن الفنان الذي ينفصل عن أرضه يفقد جزءًا كبيرًا من هويته.
دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الفن، هل يمكن أن يمتلك روح الفنان؟أنا لا أؤمن بذلك.
التقنية قد تساعد الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تمتلك روح الفنان أو إحساسه أو تجربته الحياتية.
الفنان الحقيقي لا يرسم بعينه فقط، بل بوجدانه وذاكرته ومشاعره وتجاربه الإنسانية، وهذه الأشياء لا يمكن صناعتها آليًا.
وربما ينتج الذكاء الاصطناعي صورًا جميلة، لكنه لا يستطيع أن يخلق روح العمل الفني الحقيقية، لأن الفن في النهاية تجربة إنسانية قبل أي شيء آخر.
حين يقف المتلقي أمام عمل فريد بوقيس، ماذا تتمنى أن يشعر؟أتمنى أن يشعر بالراحة والجمال والسعادة.
لا يشترط أن يفهم اللوحة أكاديميًا أو تحليليًا، المهم أن يخرج بإحساس جميل.
أحب أن تمنح أعمالي الإنسان لحظة هدوء وتأمل وطمأنينة، وأن يشعر بأن اللون قادر على احتضانه نفسيًا.
كيف ترى دور الفنان في الأزمات الوطنية؟الفنان الحقيقي لا ينفصل عن وطنه، وفي الأزمات يظهر الدور الحقيقي للفنان باعتباره مرآة للمجتمع والناس، وما شهدته مملكة البحرين مؤخرًا عزز لدينا مشاعر الانتماء والولاء والتكاتف الوطني، ولذلك قمت بإنتاج مجموعة من مقاطع الفيديو المرتبطة بأعمالي الفنية ونشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تعبيرًا عن حب الوطن والالتفاف حول القيادة الرشيدة.
لقد شعرنا جميعًا أننا في أيدٍ أمينة، وأن الوطن كان حاضرًا بحكمته واحتوائه وحرصه على الجميع، وهذه المشاعر لا بد أن تتحول إلى أعمال فنية توثق هذه اللحظات الوطنية والإنسانية.
وأتمنى إقامة معرض فني يوثق هذه المرحلة ويعبّر عن مشاعر الفنانين البحرينيين تجاه وطنهم وقيادتهم وما يحمله الشعب البحريني من ولاء ومحبة وانتماء.
ماذا يتمنى فريد بوقيس للفن البحريني مستقبلًا؟أتمنى أن يصل الفن البحريني إلى العالمية، لأن لدينا تجارب تستحق الحضور والانتشار كما أتمنى إنشاء صالة دائمة ومتخصصة لعرض وبيع الأعمال الفنية البحرينية بشكل مستمر، وليس فقط خلال المواسم والمعارض المؤقتة، لأن الفنان يحتاج إلى منصة حقيقية تدعم استمراره وتقرّب أعماله من الجمهور.
ويكفيني فخرًا وشرفًا أن يصل الفن البحريني إلي العالمية، لأن نجاح الفن البحريني هو نجاح للوطن بأكمله.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك