قناة الغد - رسالة مفتوحة من زيلينسكي لبوتين لإنهاء الحرب القدس العربي - اتحاد الشغل التونسي: لا بوادر للحوار مع السلطة قناة الغد - ارتفاع أسعار الذهب مع تزايد توقعات بانتهاء أزمة الشرق الأوسط القدس العربي - لبنان وإسرائيل إيلاف - انكسار المرايا: حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - بيروت وتل أبيب.. هل انتهى الاتفاق قبل أن يبدأ؟ قناة الغد - الخارجية الأميركية تحذر مواطنيها من التوترات في الشرق الأوسط إيلاف - الطفولة الملغومة: قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط وكالة سبوتنيك - الجزائر وسوريا تتفقان على إعادة بعث آليات التعاون الثنائي بين البلدين الجزيرة نت - إيران تهزم مالي وديا قبل التوجه إلى المكسيك
عامة

فعل القراءة: حين يصبح النص لغزا

الغد
الغد منذ أسبوعين
3

في معناها الأولي، تبدو القراءة فعلا بسيطا يطلب الاستزادة من المعرفة أو المتعة، ما يشي وفق هذا التصور، أنها فعل شفاف يؤسس لعلاقة مباشرة بين القارئ والنص، لا تشتمل على أي تعقيد أو التباس. اضافة اعلانل...

ملخص مرصد
تتنوع القراءة بين النصوص الواضحة التي تعلن مقاصدها مثل الكتب الفكرية، والأدب الذي يعتمد الإبهام والتباس المعنى. فبينما تسهل الكتب الفكرية الفهم وتبني الموقف، يتطلب الأدب قراءة ناقدة لفك شفراته وإشاراته المتداخلة. القارئ الناقد يتوقف عند ما لم يقله النص، مستعينًا بثقافته لتحليل السياقات والاختيارات، مما يجعل القراءة توازنًا بين المتعة والتأمل العميق.
  • الكتب الفكرية تعلن مقاصدها بوضوح وتسهّل الفهم وتبني الموقف مباشرة
  • الأدب يعتمد الإبهام والتباس المعنى، مما يتطلب قراءة ناقدة لفك شفراته
  • القارئ الناقد يتوقف عند ما لم يقله النص، مستعينًا بثقافته لتحليل السياقات

في معناها الأولي، تبدو القراءة فعلا بسيطا يطلب الاستزادة من المعرفة أو المتعة، ما يشي وفق هذا التصور، أنها فعل شفاف يؤسس لعلاقة مباشرة بين القارئ والنص، لا تشتمل على أي تعقيد أو التباس.

اضافة اعلانلكن هذا نوع واحد من القراءة، والتي يمكن أن نجدها في كتب عديدة تستعرض الأفكار والموضوعات وتناقشها، وقد تأخذ منها مسافة قرب أو بعد بالقبول والرفض.

يمكن التدليل على ذلك بالعديد من الكتب مثل «الفرق بين الفرق»، حيث يستعرض الحافظ البغدادي الفرق في الحضارة الإسلامية، محددا مقولاتها العقدية، أو «أسرار الطريق الصوفي»، للدكتور محمد أبو رمان، الذي يقرأ التجربة الصوفية بوصفها مسارا معرفيا وروحيا، يحاول أن يفسر منطقها الداخلي.

كذلك «الديمقراطية المقيدة»، حيث يعالج الدكتور علي محافظة إشكالية التحول الديمقراطي في السياق العربي، والقيود البنيوية والسياسية التي تجعل الديمقراطية ممكنة شكلا، ومؤجلة مضمونا.

وأيضا «نقد العقل العربي»، بانخراط محمد عابد الجابري في مشروع تفكيك طويل لبنية التفكير العربي، باحثا في أصوله المعرفية، وأنساقه الخفية، وحدوده التي تعيق إنتاج معرفة حديثة، أو «اعترافات قاتل اقتصادي» لجون بيركنز حيث ينكشف عالم من العلاقات الدولية غير المرئية، فتتحول الأدوات الاقتصادية إلى وسائل للهيمنة، وتصبح التنمية قناعا لإعادة إنتاج التبعية.

في هذه الكتب، نحن أمام نص يعلن مقاصده بوضوح، ويتحدد بالتصنيف والتحليل، ثم الحكم.

هذه الكتب، على اختلافها، تقول ما تريده مباشرة، ولا تتعمد إخفاء مقاصدها، لذلك تبدو القراءة فيها فعلا سهلا يتطلب الفهم، ثم تبني الموقف.

لكن الصعوبة تبدأ حين ننتقل إلى الأدب بكل ضبابيته وإيهاماته والتباساته، فما الذي أراد قوله إرنست همنغواي في «وداعا للسلاح»، هل هي قصة حب في زمن الحرب، أم تفكيك لفكرة البطولة، أم إعلان صامت عن عبثية المعنى.

وهل «موسم الهجرة إلى الشمال»، للطيب صالح نص عن صراع حضاري، أم عن اغتراب الذات، أم عن عنف المعرفة حين تتحول إلى أداة سيطرة.

و»قلب الظلام» لجوزف كونراد، هل هي رحلة في إفريقيا، أم انكشاف تدريجي لظلام الإنسان نفسه حين يسقط عنه قناع الحضارة.

وفي «الطريق» لكورماك مكارثي، أهي الوقوف أمام نهاية العالم، أم أمام اختبار أخلاقي أخير.

هذه النصوص تقترح المعنى بالتلميح، وتضعه في طبقات، ثم تتركك وحيدا في مواجهته، لتتحول القراءة من التلقي البسيط نحو التفكيك المعقد.

ففي الوقت الذي تحتاج الكتب الفكرية إلى قراءة ناقدة تقوم على التثبت والمعالجة والاستنتاج، فإن الأدب يحتاج إلى نوع مختلف من القراءة يتعامل مع النص بوصفه شبكة من الإشارات المتداخلة، ويتوجب عليك إيجاد المعنى بالنبش في ما وراء الجمل الظاهرة، لتتدخل الثقافة بوصفها أداة قراءة تمنحك القدرة على الربط والإحالة، فالنص الأدبي لا يعيش وحده، وإنما داخل تاريخ من النصوص تحتاج إلى التحليل لاستخراج ما لم يقل.

القارئ العادي يتتبع الحكاية لمعرفة كيف انتهت القصة، أما القارئ الناقد فإنه يتوقف عند ما لم يقل، ويسأل عن اختيارات الكاتب للسياق والشخصيات والزمان والمكان والنهاية، وعما يخفيه هذا الوضوح الظاهري.

يمتلك الأدب قدرة هائلة على تعتيم المشهد، وسلوك طرق شديدة الغموض من أجل توسيع معنى المشهد، فالوضوح الكامل يميت النص، لذلك يترك هؤلاء الكتاب فراغات لكي يملأها القارئ نفسه بوصفه جزءا من عملية الكتابة.

قراءة الأدب، بهذا المعنى، هي توازن دقيق بين المتعة الخالصة والقلق، فنحن نستمتع بالحكاية، لكننا نقلق من معناها، وكذلك ننجذب إلى الشخصيات، لكننا نشك في دوافعها.

الكتابة الأدبية تقترح عالما كاملا بقوانين وشخصيات وعلاقات وصراعات واحتمالات، والقارئ الحقيقي يتابع ما يحدث، ولكنه يسأل عن سبب حدوثه، وماذا يقول ذلك.

صحيح أن هناك نصوصا سطحية تتدرب بنا أكثر مما نقرأها، فتعطينا حكاية واضحة، ومعنى مباشرا من دون أن تطلب منا أي نوع من التحليل والتدقيق.

لكن، أيضا، هناك نصوص عظيمة تربكنا، وتفتح أبوابا عديدة للشك والتأويل لكي نستجلي ما تخفيه.

قراءة الأدب، في معناها الأعمق، هي تدريب على الشك والتأويل، وعلى رؤية ما لا يرى.

وربما هذه هي المتعة الخالصة في قراءة الأدب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك