لا يمكن قراءة التاريخ بوصفه مجرد شريط من الوقائع الصماء، بل هو مختبر حي للأفكار التي تتناسل في أثواب جديدة.
وعندما نستحضر ثنائية (بابك الخُرَّمي) و(الأفشين/ حيدر بن كاوس)، فنحن لا ننبش قبور القادة العسكريين في عصر المعتصم العباسي، بل نفكك شيفرة “المشروع الشعوبي” في تجلياته السياسية المعاصرة، حيث يتقاطع الطموح القومي مع الغطاء الآيديولوجي في لعبة شطرنج كبرى لا تزال رقعتها ممتدة في منطقتنا.
يمثل (بابك الخُرَّمي) في الوجدان الشعوبي النموذج “الراديكالي”، فهو الذي لم يكتفِ برفض السلطة المركزية، بل أراد اقتلاع الجذور الثقافية والدينية للمنطقة ليعيد إحياء حلم “الكسروية” القديم.
ثورته التي دامت عشرين سنة لم تكن مجرد تمرد فلاحين، بل كانت محاولة لإحلال منظومة “خُرَّمية” إباحية من خلال كسر المحرمات الاجتماعية والدينية، بدلا من البنية العربية الإسلامية.
في السياسة المعاصرة، “البابكية” هي تلك الحركات التي ترفع شعار “الخصوصية القومية” لتبرير الانفصال عن النسيج الإقليمي، وهي ذاتها الأذرع التي لا تجد حرجا في التحالف مع “الروم” (القوى الخارجية) لإضعاف المركز، تماما كما فعل (بابك) حين كاتب امبراطور بيزنطة “ثيوفيلوس” ليحثه على غزو أراضي الخلافة.
أما (الأفشين)، فهو النموذج الأكثر تعقيدا وذكاء، إنه القائد العسكري الذي “تأسلم” وتفانى في خدمة الخلافة حتى نال ثقة المعتصم المطلقة، لكن قلبه ظل يخفق لامبراطورية فارسية بائدة.
(الأفشين) هو الذي قضى على (بابك)، لا حبا في العباسيين، بل لأنه رأى في رعونة (بابك) “حرقا للمراحل” وتهديدا لخطته الأبعد في السيطرة على مفاصل الدولة من الداخل.
هذا هو الخطر الحقيقي الذي تمثله الشعوبية في نسختها “الأفشينية” المعاصرة، والتي تتمثل في “التقية” السياسية والتماهي مع اللغة السائدة والمصطلحات الإقليمية مع العمل الدؤوب على تغيير جوهر الهوية.
إلى جانب بناء “دولة داخل الدولة” من السيطرة على المؤسسات الحيوية تمهيدا للحظة الانقضاض الكبرى، بالإضافة إلى ازدواجية الولاء والدفاع عن “المركز” ظاهريًّا بينما الولاء الحقيقي لمشروع قومي عابر للحدود.
إن “الشعوبية” ليست مجرد انحياز لثقافة على حساب أخرى، بل هي في جوهرها مشروع “استعلائي” يرى في الجغرافيا العربية مجرد “مجال حيوي” مستلب يجب استعادته.
وعندما نرى اليوم محاولات فرض النفوذ تحت لافتات عقدية أو آيديولوجية، فنحن أمام (أفشين) جديد يقود الجيوش، و(بابك) جديد يمهد الأرض بالاضطرابات.
لقد انتهى الأمر بـ (الأفشين) مصلوبا بجانب (بابك) بعد أن كُشفت مراسلاته التي تثبت أنه كان يحتقر العرب والدين الذي يتظاهر به، وهي نهاية تراجيدية تعكس استحالة التوفيق بين “المشروع القومي التوسعي” وبين “الاندماج الإقليمي الصادق”.
إن المنطقة اليوم ليست بحاجة لفتح ملفات “المظلومية التاريخية” التي يقتات عليها الفكر الشعوبي، بل هي بحاجة لوعي سياسي يدرك أن (بابك) و(الأفشين) ليسا مجرد شخصيات تاريخية، بل هما استراتيجيتان: واحدة تهاجم بالخنجر من الأمام، والأخرى تحتضنك لتطعنك من الخلف.
والذكاء السياسي يقتضي ألا نُخدع ببريق “الخدمات العسكرية” لـ (الأفشين)، ولا بـ “نضالية” (بابك) المزعومة، فكلاهما في النهاية وجهان لعملة واحدة هدفها إلغاء الآخر والسيطرة على مقدراته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك