لا يبدو سوق العمل البريطاني في حالة انهيار صاخب، لكن الأرقام الآتية من منصات التوظيف ومراكز التوقعات تكشف سوقاً يضيق بهدوء: شواغر أقل ومنافسة أعلى وشركات أكثر حذراً في التوظيف، في وقت تتبدل فيه المهارات المطلوبة لدخول السوق أو البقاء داخله.
يقول أندرو هانتر، الشريك المؤسس لمنصة أدزونا البريطانية المتخصصة في إعلانات الوظائف وتحليل اتجاهات سوق العمل، في تعليق خاص لـ" العربي الجديد"، إن سوق العمل البريطاني" يبرد"، وإن بيانات المنصة تظهر حجم هذا التراجع بوضوح.
ويوضح أن الشواغر المعلنة بلغت 752.
711 وظيفة في مارس/آذار، منخفضة بنسبة 13.
6% على أساس سنوي وقريبة من أضعف مستوياتها منذ عام 2021.
كما يشير إلى أن وظائف الخريجين انخفضت بنسبة 34.
9% سنوياً إلى 10.
667 وظيفة فقط، قرب المستوى القياسي المنخفض الذي سجلته المنصة في يناير/كانون الثاني.
ويضيف هانتر أن هناك الآن 2.
29 باحث عن عمل لكل وظيفة شاغرة، مقارنة بـ1.
81 قبل عام، معتبراً أن ذلك يمثل تحولاً ملموساً في ميزان القوة باتجاه أصحاب العمل، وأن هذا التحول استمر فترة كافية بحيث لا يمكن اعتباره مجرد تصحيح قصير الأجل.
تدعم البيانات الرسمية هذا الاتجاه.
فقد أظهرت أحدث أرقام مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن عدد الشواغر في المملكة المتحدة انخفض إلى 711 ألف وظيفة بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026، متراجعاً بنحو 29 ألف وظيفة عن الربع السابق، بينما بلغ معدل البطالة 4.
9%، والخمول الاقتصادي 21%.
تتسق هذه الصورة مع تقرير الوظائف الصادر عن مجموعة كيه بي إم جي، وهي إحدى أكبر شبكات الخدمات المهنية والاستشارات في العالم، واتحاد التوظيف والتشغيل في مايو/أيار 2026، الذي أشار إلى أن التعيينات الدائمة في بريطانيا تراجعت في إبريل/نيسان بأسرع وتيرة منذ يناير/كانون الثاني، مع استمرار انخفاض الطلب على الموظفين للشهر الثلاثين على التوالي، وارتفاع المعروض من المرشحين بفعل التسريحات وضعف الطلب على العمالة.
وفي البيان الذي أرسلته مجموعة كيه بي إم جي إلى" العربي الجديد"، يقول جوناثان هولت، الرئيس التنفيذي للمجموعة في المملكة المتحدة وسويسرا وكبير الشركاء في" كيه بي إم جي" بالمملكة المتحدة، إن مؤشرات التعافي الصغيرة في سوق العمل اضطربت في إبريل/نيسان بسبب عدم اليقين، بينما يشير نمو التعيينات المؤقتة إلى أن الشركات تتبنى نهجاً أكثر مرونة وحذراً في إدارة قواها العاملة.
ولا يصيب هذا التراجع جميع العمال بالطريقة نفسها.
ففي ردّ على أسئلة" العربي الجديد"، يقول أمان نافاني، كبير محللي الأبحاث والسياسات في مؤسسة وورك فاونديشن في جامعة لانكستر، إن أبحاث المؤسسة وجدت أن العمال في الوظائف غير الآمنة أكثر عرضة للبقاء عالقين في هذا النوع من العمل، أو الخروج من سوق العمل إلى البطالة أو الخمول الاقتصادي، مقارنة بالعمال في وظائف أكثر أماناً.
ويضيف نافاني أن سوق العمل غير المؤكد يدفع العمال غالباً إلى البقاء في وظائفهم الحالية، حتى عندما يكونون غير راضين عن الأجر أو شروط العمل.
ويوضح أن الانتقال إلى قطاع آخر أو وظيفة جديدة يكون في كثير من الأحيان أفضل طريق للتقدم المهني، لكن هذا يصبح أقل احتمالاً عندما يبرد السوق وتتراجع الفرص.
ويرى أن خفض الوظائف وتجميد التوظيف مؤشرات مهمة إلى جانب معدل البطالة، محذراً من أن انخفاض البطالة قد يخفي أحياناً خروج بعض الأشخاص من سوق العمل بدل انتقالهم إلى وظائف.
وتؤكد الصورة نفسها تعليقات معهد تشارترد للأفراد والتنمية، الهيئة المهنية للموارد البشرية وتطوير الأفراد، إذ يقول جيمس كوكت، كبير اقتصاديي سوق العمل في المعهد، في تعليق لـ" العربي الجديد"، إن أصحاب العمل يصبحون أكثر حذراً في التوظيف، وقد يتراجعون أكثر إذا أدت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط إلى زيادة كلفة الأعمال.
ويربط ذلك بفترة ممتدة من ارتفاع تكاليف التوظيف، نتيجة زيادة مساهمات التأمين الوطني لأصحاب العمل والحد الأدنى للأجور، إلى جانب تغييرات تشريعية مرتقبة قد تضيف كلفة وتعقيداً إلى تشغيل الموظفين.
في المقابل، يرى هانتر أن الأرقام الرئيسية تخفي تحولاً آخر داخل هذا التراجع، فبحسب بيانات" أدزونا"، لم يقتصر الأمر على انخفاض إعلانات الوظائف الإجمالية بنحو 14% خلال عام، بل تضاعف تقريباً عدد الإعلانات التي تذكر الذكاء الاصطناعي في بريطانيا خلال الفترة نفسها، مرتفعاً من نحو 9500 إعلان شهرياً إلى 18 ألفاً.
ويختصر هانتر هذا التحول بالقول إن أصحاب العمل" لا يوظفون أقل فحسب، بل يوظفون بطريقة مختلفة".
يظهر هذا التحول بحسب هانتر، بوتيرة أسرع خارج قطاع التكنولوجيا.
فقرابة إعلان واحد من كل عشرة إعلانات وظائف في التسويق والعلاقات العامة بات يذكر الذكاء الاصطناعي، بعدما كان المعدل أقل من إعلان واحد من كل خمسين قبل عامين.
كما زادت الإشارات إلى الذكاء الاصطناعي في وظائف الموارد البشرية والتوظيف 7.
8 مرات منذ يناير 2024، فيما باتت الوظائف الإدارية تطلب مهارات الذكاء الاصطناعي بمعدل يعادل 15 مرة ما كان عليه الوضع في 2022.
بالنسبة إلى العمال، يخلق ذلك تبايناً واضحاً في التجربة.
فمن تتقاطع مهاراته مع الذكاء الاصطناعي يجد طلباً متزايداً حتى في سوق عمل أضعف.
أما من لا يمتلك هذه المهارات، فيواجه سوقاً أكثر ضيقاً مما توحي به الأرقام العامة.
ويقول هانتر إن الباحثين عن عمل الذين يعتادون استخدام هذه الأدوات الآن" لن يواكبوا السوق فقط، بل سيتقدمون".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك