أثارت عودة بعض الدفء والتقارب الحذر في علاقات الجزائر بفرنسا في الأيام الأخيرة، جراء أزمات متتالية وغير مسبوقة في السنوات الأخيرة، التساؤلات والنقاشات حول ما إذا كان هذا الوضع سيجر معه الاقتصاد إلى مرحلة ذوبان الجليد أيضاً، بالنظر إلى الانحسار الاقتصادي الكبير لباريس في البلد العربي منذ أعوام وفي مختلف القطاعات.
وكما هو معلوم، فإن علاقات الجزائر بفرنسا في حالة تأزم منذ عدة سنوات بسبب ملفات عدة؛ أبرزها اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، إضافة إلى الهجرة وترحيل الرعايا الجزائريين الموجودين على تراب البلد الأوروبي بطريقة غير نظامية.
ووفقاً لخبراء ومتابعين، فإن فرنسا تشهد ما يشبه خريفاً اقتصادياً لشركاتها في الجزائر منذ صعود عبد المجيد تبون إلى سدة الرئاسة، مقابل تعزيز الشراكات الاقتصادية والتجارية مع إيطاليا وتركيا والصين والولايات المتحدة ومؤخراً إسبانيا.
بوادر الدفء تجسدت في تنقل الوزيرة المنتدبة الفرنسية لدى وزارة الجيوش وقدماء المحاربين، أليس روفو، إلى مدينة سطيف شرقي الجزائر في 8 مايو/ أيار، ومشاركتها في الاحتفالات الرسمية المخلدة لضحايا مجازر سطيف وقالمة وخراطة في الشهر ذاته من عام 1945، والتي راح ضحيتها أكثر من 45 ألف قتيل.
وزارت المسؤولة الحكومية الفرنسية مدينة سطيف رافقها خلالها سفير باريس لدى الجزائر، ستيفان روماتي، بعد أزيد من عام على مغادرته لمنصبه، إثر استدعائه للتشاور في إبريل/ نيسان 2025، عقب تأزم علاقات البلدين جراء توقيف موظف قنصلي جزائري بالعاصمة باريس، في إطار ما قالت السلطات الفرنسية إنها قضية المدون أمير ديزاد.
واستقبلت الوزيرة الفرنسية أيضاً خلال زيارتها من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بقصر المرادية الرئاسي بالعاصمة، وحضر مراسم الاستقبال السفير ستيفان روماتي.
وعقب لقائها بتبون، صرحت عضو الحكومة الفرنسية بأن محادثتها مع الرئيس الجزائري كانت بناءة جداً، مشيرة في ما يتعلق بالعلاقات بين البلدين إلى أن" إيمانويل ماكرون كلفها بالتعبير عن عزمه على إيجاد كافة السبل لإعادة بعث علاقة قائمة على الاحترام والندية والهدوء والثقة بين بلدينا".
ولفتت الوزيرة الفرنسية إلى أن" الهدف هو التوصل بسرعة إلى نتائج، ولذلك تحادثنا حول خطوات عملية لكي تكون الأشهر القادمة مفيدة لمصالح وعلاقات الجزائر وفرنسا".
شروط جزائرية للتطبيع الاقتصاديفي هذا السياق، يرى خبير القضايا الاستراتيجية ومدير الهجرة سابقاً في وزارة الداخلية الجزائرية، حسان قاسيمي، أن التقارب المسجل بين الجزائر وفرنسا يبقى" ملموساً لكنه لا يزال خجولاً"، بعد مرحلة وصفت بالشديدة الصعوبة، مشدداً على أن عودة العلاقات الاقتصادية مرهونة بشروط، لافتاً إلى أن الجزائر وخلال الأزمة مع باريس، لم تبقَ مكتوفة الأيدي بل تحركت لتعزيز الشراكات مع دول أخرى على غرار إيطاليا.
ويؤكد قاسيمي في حديث لـ" العربي الجديد"، أن هذه المرحلة انعكست بشكل مباشر على المسار الاقتصادي والتجاري بين البلدين، مشيراً إلى أن الملفات الاقتصادية لم تكن بمعزل عن التدهور السياسي الذي طبع العلاقات خلال السنوات الأخيرة.
في هذا الإطار، يلفت قاسيمي إلى أن عودة النقاش حول إعادة بناء العلاقات تفرض نفسها، في ظل دعوات سياسية إلى إعادة إطلاق التعاون بين الجزائر وفرنسا في مجالات التنمية والتجارة، على غرار ما هو قائم مع دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا.
غير أنه يعتبر أن فرنسا جاءت متأخرة نسبياً في هذا المسار، مقارنة بالتحولات التي عرفتها الجزائر في سياستها الاقتصادية، حيث واصلت تطوير شراكاتها مع أطراف دولية أخرى خلال فترات التوتر.
ويضيف أن الجزائر، في سياق الأزمات السابقة، لم تتوقف عن التحرك اقتصادياً، ما أدى إلى تراجع نسبي في موقع فرنسا داخل السوق الجزائرية، سواء على مستوى المبادلات أو الاستثمارات.
وعلق بالقول: " للأسف فرنسا مخترقة من تيار سياسي وأيديولوجي من اليمين المتطرف، وهو تيار رجعي ومعادٍ للجزائر، وهذا يشكل عائقاً وعقبة تمنع الجزائر وفرنسا من التقدم على نفس المستوى الذي نقوم به مع إسبانيا أو إيطاليا".
كما يشير إلى أن أي إعادة توازن في العلاقات الاقتصادية تستدعي، إظهار قدر من" حسن النية والالتزام المتبادل" من الطرفين، من أجل إعادة بعث شراكة أكثر استقراراً في المستقبل.
ويربط المتحدث بين المصالح الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية، معتبراً أن الجزائر تمتلك مؤهلات استراتيجية وطاقوية ومعدنية كبيرة، ما يجعلها طرفاً محورياً في المعادلات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
وخلص قاسيمي إلى أن العالم قد تغير والجزائر أيضاً تغيرت، وهي بلد شديد الحرص على سيادته ومصالحه، ولذلك وجب على فرنسا أن تخرج قليلاً من مستنقعات" الجزائر الفرنسية" -في إشارة إلى الذين يحنون إلى فترة الاستعمار- إذا أرادت بناء علاقات تعاون مع الجزائر قائمة على أساس الندية والمساواة بين الطرفين، بما في ذلك الشقان التجاري والاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك