في شوارع مصر، لم تعد الطوابير أمام منافذ التموين مجرد مشهد يومي للحصول على السلع المدعومة حكومياً، بل تحولت إلى حلقات نقاشية عفوية يسكنها القلق مع تزايد الحديث الرسمي عن إعادة تقييم منظومة الدعم الحالية، التي تعتمد عليها ملايين الأسر.
هذا التحول، والمقرر تطبيقه تجريبياً خلال العام المالي المقبل، يثير مخاوف واسعة لدى المواطنين؛ إذ يعتمد النظام الحالي على تقديم سلع غذائية، وعلى رأسها الخبز، بأسعار أقل بكثير من السوق عبر بطاقات إلكترونية يستفيد منها نحو 63 مليون مواطن لتوفير حد أدنى من احتياجاتهم الأساسية.
وحسب تصريحات رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، ووزير التموين، شريف فاروق، تعمل الحكومة حالياً على تنفيذ تحول تدريجي بتقديم دعم نقدي بدلاً من العيني بداية من العام المالي 2026-2027، ضمن خطة شاملة لإعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية.
أمام أحد المخابز البلدية بحي" سيدي جابر" وسط الإسكندرية، تمسك السيدة عواطف (بائعة خضار، 55 عاماً) ببطاقتها الإلكترونية التي تحصل بموجبها على خمسة أرغفة يومياً وبعض السلع الأساسية، كأنها تمسك بآخر خيوط النجاة، بعد أن تقلص عدد السلع المدعومة تدريجياً ليقتصر على الخبز والسكر والزيت.
وبالنسبة لعواطف، التي تعيل أربعة أفراد، فإن تحويل الدعم إلى" جنيهات في المحفظة" مقامرة غير مأمونة العواقب تحت ضغط الغلاء؛ وتقول بنبرة قلق: " الزيت الذي آخذه بـ25 جنيهاً من التموين، سعره في المحل المجاور بـ70 جنيهاً (الدولار = نحو 53.
3 جنيهاً).
إذا أعطتني الحكومة المال، فمن يضمن لي ألّا يرفع التاجر سعره في اليوم التالي؟ ".
في المقابل، تواجه مخاوف المستفيدين طموحاً حكومياً" تقنياً" يهدف إلى ترشيد الإنفاق وتقليل العبء عن الموازنة بطرح آليات تشمل صرف مبالغ نقدية مباشرة، أو تطبيق نظام شراء مشروط، بالاعتماد على قواعد بيانات محدثة.
وتظهر مسودة الموازنة الجديدة ضخامة التحدي؛ إذ قفزت مخصصات دعم السلع التموينية إلى نحو 178.
3 مليار جنيه، بزيادة سنوية 11% تعكس ارتفاع تكلفة تدبير السلع عالمياً ومحلياً.
وترى الحكومة أن التحول النقدي سيوفر المليارات الضائعة في حلقات التداول والهالك، ويقضي على" مافيا السوق السوداء".
لكن السؤال الذي يطرحه الخبراء: هل السوق المصرية مرنة لاستيعاب هذه السيولة؟ يقول خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل، مدحت نافع، لـ" العربي الجديد": " التحول للدعم النقدي هو الحل الأمثل في الكتب الاقتصادية لأنه يحقق كفاءة الاستهداف ويمنح المواطن حرية الاختيار، لكن التحدي في الواقع المصري يكمن في دقة قواعد البيانات والوصول للمستحقين الحقيقيين".
ويضيف نافع أن كفاءة الدعم النقدي تتطلب أخذ معدلات التضخم في الاعتبار، وربط المنظومة بمراجعة دورية لقيمتها، محذراً من أن التوسع فيه قد يكون أعلى وفراً للحكومة لكنه أقل منفعة للمستفيدين، مع ضرورة ضمان جاهزية المنظومة الرقمية لتحويل الأموال لحظياً دون أعطال تقنية.
يتزامن هذا التوجه مع تباطؤ طفيف في معدل التضخم السنوي ليصل إلى 14.
9% في إبريل/ نيسان الماضي، وهو ما تعتبره الحكومة" ضوءاً أخضر" للبدء، بينما يحذر محللون من" التضخم الارتدادي"؛ إذ إنّ خروج مليارات الجنيهات مباشرة لجيوب المواطنين قد يرفع الطلب في السوق الحرة، فتتآكل قيمة الدعم قبل استعماله.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي محمد رجب: " الدولة قطعت شوطاً في تحرير أسعار المحروقات والكهرباء، لكن رغيف الخبز والسلع الأساسية لها طبيعة خاصة تحتاج حماية اجتماعية يوفرها الدعم العيني بفضل ثبات قيمته".
ويؤكد رجب لـ" العربي الجديد" أن الدعم النقدي الثابت في سوق متقلبة ستتراجع قوته الشرائية شهرياً، ما يتطلب" آلية تحريك تلقائي" ترتبط بمؤشر أسعار الغذاء، وهو ما يمثل عبئاً ثقيلاً على موازنة مصر.
الدعم والأبعاد الاجتماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك