تقاس الحروب عادة بمساحات الأراضي المغتصبة، أو الحكومات المخلوعة، أو اتفاقيات وقف إطلاق النار الموقعة.
بيد أن ثمة حروبا تعيد تشكيل توازنات القوى بطرق أكثر هدوءا وعمقا.
ويبدو أن الحملة العسكرية الأمريكية المرتبطة بالصراع الإيراني تفعل ذلك تماما؛ فبعيدا عن منطقة الخليج، وما وراء إسرائيل وأسواق النفط، يبرز تساؤل إستراتيجي جوهري: هل تستنزف واشنطن ذات الأسلحة التي قد تشتد حاجتها إليها في مواجهة مستقبلية مع الصين؟بات هذا التساؤل اليوم يقع في قلب سجال متصاعد داخل دوائر الدفاع الأمريكية.
فقد حذر تقييم أخير صادر عن" مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" (CSIS) من أن الحرب الإيرانية استهلكت كميات هائلة من أكثر الصواريخ الأمريكية تطورا، بما في ذلك صواريخ" توماهوك"، ومنظومات اعتراض" باتريوت"، ومنظومات" ثاد".
الردع لا يتعلق بالقوة المطلقة فحسب، بل بالجاهزية تحت وطأة الضغوط.
وإذا امتدت جداول تجديد المخزونات من ثلاث إلى ست سنوات للأنظمة الحيوية، فإن الثقة الإستراتيجية تصبح أكثر تعقيداوفي بعض الفئات، ربما نضب بالفعل أكثر من نصف مخزونات ما قبل الحرب، في حين قد يستغرق تعويض هذه النواقص سنوات طويلة.
إن هذه المعضلة لا تقتصر على كونها مشكلة حسابية فحسب، بل هي أزمة إستراتيجية بامتياز.
فلطالما اعتمدت السيادة العسكرية الأمريكية لعقود من الزمن، ليس فقط على التفوق التكنولوجي، بل وأيضا على" العمق الصناعي".
لقد افترض نموذج الردع الأمريكي قدرة واشنطن على القتال في مسرح عمليات واحد، مع ردع الخصوم في مسرح آخر بالتزامن.
غير أن الحروب الحديثة عالية الكثافة باتت تكشف حقيقة مرة: وهي أن الصواريخ المتطورة باهظة الثمن، وعمليات إنتاجها بطيئة، والمخزونات منها محدودة مهما بلغت.
لقد سلط الصراع الإيراني الضوء على مكامن الضعف هذه؛ حيث تستنزف بضراوة أسلحة دقيقة كانت مصممة أساسا لصراعات القوى الكبرى في الشرق الأوسط.
وتكتسب منظومات" باتريوت" و" ثاد" أهمية خاصة لكونها حجر الزاوية ليس فقط للدفاع عن المنطقة، بل وأيضا لأي سيناريو حرب في المحيط الهادئ تشمل تايوان أو اليابان أو القواعد الأمريكية الإقليمية.
وبناء عليه، فإن أي استنزاف طويل الأمد في الشرق الأوسط من شأنه أن يضعف الجاهزية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
إن ساحة المعركة الحقيقية قد لا تكون طهران أو هرمز فحسب بل قد تكون أيضا في ردهات المصانع، وجداول بيانات مخزون الصواريخ، والحسابات التي تجرى في صمت داخل أروقة الحكم في بكينالصين تراقب المشهد من كثبلطالما عكف مخططو العسكرية في بكين على دراسة نقاط القوة والضعف اللوجيستية للولايات المتحدة.
فإذا كانت المخزونات الأمريكية تستهلك بمعدل أسرع من قدرة المصانع على تعويضها، فقد يغير ذلك من حسابات الصين بشأن التوقيت، أو التصعيد، أو ممارسة الضغوط الإقليمية.
فالردع عملية سيكولوجية بقدر ما هو فعل عسكري؛ إذ يعتمد على إقناع الخصوم بأن قدراتك عميقة، ومستدامة، ومرنة عالميا.
لذا، فإن التآكل الظاهر في هذه القدرات قد يضعف تلك الصورة الذهنية حتى قبل اندلاع حرب ثانية.
هذا لا يعني أن الولايات المتحدة باتت فجأة عاجزة عن مواجهة الصين؛ فهي لا تزال تحتفظ بمزايا عسكرية هائلة، وشبكات تحالفات واسعة، وقدرة وصول بحرية ضخمة.
لكن الردع لا يتعلق بالقوة المطلقة فحسب، بل بالجاهزية تحت وطأة الضغوط.
وإذا امتدت جداول تجديد المخزونات من ثلاث إلى ست سنوات للأنظمة الحيوية، فإن الثقة الإستراتيجية تصبح أكثر تعقيدا.
تكمن المشكلة أيضا في الشق الصناعي؛ فقد منحت حقبة ما بعد الحرب الباردة الأولوية لـ" كفاءة الإنتاج" على حساب" القدرة على استيعاب الطفرات القتالية".
وبناء عليه، أصبحت سلاسل توريد الدفاع أكثر نحافة، ولم تصمم خطوط إنتاج الذخائر المتطورة لخوض حروب متزامنة في مسارح كبرى.
ومن هنا، فإن الحرب الإيرانية تكشف عن خلل بنيوي أوسع: فقد تكون القاعدة العسكرية الصناعية لأمريكا هائلة، لكنها ربما لم تهيأ بعد لمنافسة طويلة الأمد على جبهتين ضد تهديدات إقليمية ونظراء دوليين في آن واحد.
القوى العظمى نادرا ما تضعف بسبب الهزيمة وحدها، بل غالبا بسبب" التمدد الزائد".
واجهت الإمبراطورية البريطانية هذه المعضلة في أوائل القرن العشرين، وواجهها الاتحاد السوفياتي في أفغانستانهذا الأمر تداعياته تتجاوز حدود واشنطنفبالنسبة لدول الخليج، يثير هذا الوضع تساؤلات حول ديمومة الضمانات الأمنية الأمريكية.
وبالنسبة لتايوان، فإنه يعمق القلق بشأن ما إذا كانت الالتزامات الأمريكية قد ترتبك بفعل أزمات في أماكن أخرى.
وبالنسبة لأوروبا وآسيا على حد سواء، فإنه يرسخ حقيقة غير مريحة: في عصر الحروب المتداخلة، قد تعتمد تطمينات التحالفات بشكل متزايد على" الحسابات الصناعية".
وهناك أيضا بعد سياسي؛ فكل صاروخ يطلق في الشرق الأوسط لا يحمل تكلفة عسكرية فحسب، بل يحمل" تكلفة فرصة بديلة".
فكلما تعمق الانخراط الأمريكي، زادت صعوبة التحول الكامل نحو آسيا دون توسيع الميزانيات، أو تسريع الإنتاج، أو إعادة تعريف الأولويات الإستراتيجية.
وهذا هو جوهر" فخ الذخيرة": حرب إقليمية تلتهم ببطء الأساس المادي للردع العالمي.
يقدم التاريخ دروسا وتحذيرات؛ فالقوى العظمى نادرا ما تضعف بسبب الهزيمة وحدها، بل غالبا بسبب" التمدد الزائد".
واجهت الإمبراطورية البريطانية هذه المعضلة في أوائل القرن العشرين، وواجهها الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.
وتحدي أمريكا اليوم ليس متطابقا، لكن المبدأ يبدو مألوفا: الاستنزاف الإستراتيجي يمكن أن يؤدي إلى تآكل القوة حتى دون انهيار في ساحة المعركة.
في الوقت الراهن، تبدو واشنطن عازمة على تسريع عمليات الشراء وطمأنة الحلفاء.
لكن بناء الصواريخ أبطأ بكثير من إطلاقها، والمصانع لا يمكنها مضاهاة وتيرة المعركة فورا.
لذلك، قد تصبح الحرب الإيرانية أكثر من مجرد صراع في الشرق الأوسط؛ إذ قد تتحول إلى اختبار لما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على دورها كقوة عظمى في مسرحين قتاليين، في عصر يتسم بالحروب الدقيقة والمكلفة ذات الطابع الصناعي الكثيف.
إن ساحة المعركة الحقيقية قد لا تكون طهران أو هرمز فحسب بل قد تكون أيضا في ردهات المصانع، وجداول بيانات مخزون الصواريخ، والحسابات التي تجرى في صمت داخل أروقة الحكم في بكين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك