عاد شبح المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران ليخيّم مجدّداً على الشرق الأوسط، لكن هذه المرة في سياق أكثر خطورة وتعقيداً من جولات التوتر السابقة.
فالتصعيد الحالي لا يدور فقط حول تهديدات سياسية أو ضربات محدودة بالوكالة، بل يأتي بعد مرحلة كسرت فيها الأطراف الرئيسية كثيراً من قواعد الاشتباك التقليدية، لتُصبح المنطقة أقرب إلى حافة مواجهة مباشرة قد تتوسّع سريعاً إذا خرجت الحسابات عن السيطرة.
خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت المؤشرات التي دفعت المحللين والعواصم الدولية إلى الحديث مجدداً عن احتمال اندلاع حرب واسعة.
البداية جاءت مع تصاعد المخاوف الإسرائيلية من اقتراب إيران أكثر من «العتبة النووية»، في ظل تقارير غربية تحدّثت عن تقدّم في مستويات تخصيب اليورانيوم وتطوير منشآت شديدة التحصين يصعب استهدافها عسكرياً.
بالنسبة للكيان الصهيونى، فإن هذه المرحلة تُمثل لحظة حساسة، إذ ترى أن أى تأخير إضافى قد يمنح طهران قدرة ردع استراتيجية تغيّر ميزان القوى في المنطقة لعقود.
ترامب وجّه تحذيراً لإيران مطالباً إياها بالتحرّك السريع وإلا «لن يبقى شىء»، مع أنباء عن ترتيبات لعقد اجتماع لمستشاري الأمن القومي لبحث الخيارات العسكرية، بينما تؤكد إيران على لسان مسئولي الحرس الثوري أنها لن تتراجع أمام التهديدات.
المفاوضات المتعثرة أدت إلى توقف مساعي إنهاء الحرب مع وجود شروط أمريكية صارمة قدّمت رداً على مقترحات طهران، مما دفع إيران لإبداء استعدادات تأهبية تحسّباً لأى تصعيد عسكري محتمل.
تنظر إيران إلى الملف النووي باعتباره ورقة بقاء وسيادة، خصوصاً بعد سنوات من العقوبات والضغوط والاغتيالات والهجمات السيبرانية.
كما تعتقد القيادة الإيرانية أن ما شهدته المنطقة منذ حرب غزة أثبت أن امتلاك أدوات ردع أقوى أصبح ضرورة استراتيجية، وليس مجرد مشروع نفوذ إقليمي.
لكن العامل الأخطر في المشهد الحالي هو أن المواجهة لم تعد تُدار بالكامل عبر الحلفاء والوكلاء كما كان يحدث في السابق.
فقد شهدت الفترة الماضية ضربات إسرائيلية أكثر جرأة استهدفت مواقع مرتبطة بإيران، إلى جانب ردود إيرانية مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مما كسر تدريجياً الخطوط الحمراء القديمة التي حكمت العلاقة بين الطرفين لسنوات.
وفى الخلفية، تتحرّك الولايات المتحدة بحذر شديد بين هدفين متناقضين: منع إيران من التحول إلى قوة نووية، وتجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط.
لهذا عزّزت واشنطن وجودها العسكري والدفاعي في المنطقة، سواء عبر تحريك قطع بحرية إضافية أو رفع جاهزية القواعد الأمريكية والخليجية تحسّباً لأى تصعيد مفاجئ قد يُهدّد الملاحة أو إمدادات الطاقة العالمية.
الكيان الصهيونى يبدو مقتنعاً بأن «نافذة الفرصة» تضيق.
فداخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية يتصاعد تيار يرى أن إيران باتت أكثر جرأة بعد المواجهات الإقليمية الأخيرة، وأن استمرار الانتظار قد يجعل تكلفة أى مواجهة مستقبلية أعلى بكثير.
كما أن حكومة نتنياهو المتطرفة تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة مرتبطة بالوضع الأمني والسياسي، مما يجعل خيار التصعيد أحياناً جزءاً من معادلة استعادة الردع داخلياً وخارجياً.
أما إيران، فتسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة شديدة التعقيد: الرد على الضربات وعدم الظهور بمظهر «المتراجع» دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تُهدّد استقرار النظام نفسه.
ولهذا تعتمد طهران على سياسة «التصعيد المحسوب»، أى الرد التدريجي وتوسيع الضغط الإقليمي دون فتح حرب مفتوحة بالكامل.
ورغم تصاعد طبول الحرب، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً حتى الآن لا يبدو حرباً شاملة على غرار الغزو الأمريكي للعراق، بل مرحلة طويلة من التصعيد المحدود والاستنزاف المتبادل.
هذا السيناريو قد يشمل: ضربات جوية متقطعة، عمليات استخباراتية، هجمات إلكترونية، واستهدافات عبر الحلفاء الإقليميين.
إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال «الخطأ الاستراتيجي».
فاستهداف منشأة نووية إيرانية كبرى، أو سقوط أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين، أو تعرّض إسرائيل لهجوم واسع قد يدفع المنطقة خلال ساعات إلى انفجار إقليمي شامل يمتد من الخليج إلى لبنان والبحر الأحمر.
وفى حال اندلاع مواجهة واسعة، لن تقتصر التداعيات على الشرق الأوسط فقط، بل ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.
إذ يُتوقع أن يؤدي أى تهديد جديد لمضيق هرمز أو لحركة الملاحة إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، واضطرابات في سلاسل التجارة والطاقة، وضغوط تضخمية عالمية جديدة.
لذلك تبدو المنطقة اليوم في حالة «حرب مؤجلة» أكثر منها محاولات تسوية، فالمواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات وتُدار حتى الآن بمنطق الردع والرسائل المتبادلة، لكنها ستقف على مسافة خطأ واحد فقط من انفجار أكبر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك