تتجه برمجة الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان الدولي لسينما التحريك «فيكام 2026» بحزم نحو الشباب، دون أن تفقد هوية موعد يجمع بين العارفين بهذا الفن، وجمهوره الوفي، والوافدين الجدد عليه.
وانسجاما مع التحولات التي تشهدها الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب وإفريقيا والمنطقة العربية، يرسخ هذا الحدث حضوره في مجاله الترابي، مساهما في إشعاع المدينة الإمبراطورية دوليا، وداعما في الوقت نفسه قطاعا صاعدا عبر فتح آفاق الولوج إلى مهن سينما التحريك.
ويظل «فيكام»، قبل كل شيء، مهرجانا لكل سكان المنطقة، لا يقتصر حضوره على المعهد الفرنسي وحده.
فالحدث يمتد بأشكال متعددة في مكناس ومحيطها، في سينما كاميرا، وسينما دوليز، والمركب الثقافي المنوني، وحتى في مولاي إدريس زرهون، من دون إغفال مدن مغربية أخرى، كما يوضح المدير المنتدب للمعهد الفرنسي بمكناس، فابريس مونجيابعد 24 عاما، أسهم فيكام في تحديد مسار كثير من الشباب.
بعضهم تطور داخل مجال سينما التحريك.
كيف نجح المهرجان في خلق جمهوره لدى الأجيال الجديدة، مع الاستمرار في كسب وفاء المهنيين على مدى عقود؟تعبئة هذين الجمهورين، وهذين النوعين من المتدخلين، تمثل هدفا محوريا بالنسبة إلى مهرجان مثل فيكام.
من المهم بالنسبة إلينا أن نحافظ على ارتباط الأجيال الشابة، خصوصا المغربية، وهذا هو جوهر الاتفاقيات المبرمة بين استوديوهات التحريك المغربية وقناة TV5MONDE.
كما دافعنا عن محور تكويني يستهدف 100 شاب، من خلال موائد مستديرة، ومداخلات، ولقاءات سريعة مع المخرجين الشباب، فضلا عن الإقامات الفنية.
هذه المنظومة برمتها تشجع على بناء شبكة مهنية تتشكل من الجدد والقدامى معا.
ويمكنني أن أقول لكم إن عددا منهم طلبوا بأنفسهم العودة ضمن هذا الإطار، الذي يقدرونه كثيرا.
يعد اسم كبير في سينما التحريك مثل Michel Ocelot من الأسماء المطلوبة في كبرى المهرجانات الدولية، لكنه نادراً ما يشارك فيها، في حين يحرص على الحضور باستمرار في مكناس.
وهو يشرّف المهرجان بوجوده الدائم، وباللقاءات التي يتيحها للجمهور لتقاسم الحديث حول أعماله، التي يستلهم بعضها من المغرب.
وخلال هذه الدورة، يعرض فيلمي “الأرانب ذوو الآذان الثلاث” و“الفرعون والمتوحش والأميرة”، كما يشارك أيضاً ضمن فقرة “شاي بالنعناع مع.
”.
وينطبق الأمر نفسه على الرسام والمخرج Pierre-Luc Granjon، الذي قدم أمس درسا في السينما، فيما يشارك المخرج André Kadi في منتدى مهن فيلم التحريك ضمن فيكام، ويعرض أيضا فيلمه “هولا فريدا”، الذي سبق أن نال جائزة الجمهور هنا، وقد عبر بنفسه عن رغبته في المشاركة مجددا.
وفي الوقت الذي يحرص فيه المهرجان على الحفاظ على وفاء جمهوره والمهنيين المشاركين فيه، يعمل أيضا على استضافة مبدعين آخرين وتسليط الضوء على أسماء تشارك لأول مرة، مثل Zaven Najjar وPatrick Volve.
ويسهم ذلك في تعزيز إشعاع المغرب في عالم سينما التحريك، إذ يحمل هؤلاء المبدعون صورة مكناس والمغرب معهم أينما حلّوا، كما يساعد على بناء شبكة من التعاون والتآزر يؤمل أن تستمر مستقبلا.
وفي النهاية، تظل الفكرة الأساسية هي أن تتحول تجربة فيكام واللقاءات التي يتيحها إلى مبادرات ملموسة، سواء عبر إنتاجات مشتركة أو تعاونات على المستوى الإفريقي، كما حدث قبل عامين مع Centre Cinématographique Marocain.
إلى جانب تجذره في جهة فاس-مكناس، طور فيكام بعدا وطنيا، بالتوازي مع ديناميات تربطه بمهرجانات أخرى مثل آنسي في فرنسا.
كيف ينتشر الحدث في مختلف أنحاء المغرب؟في افتتاح هذه الدورة، أكدت المديرة العامة لـ المعهد الفرنسي بالمغرب، أنييس هومروزيان، التزام المؤسسة بمواصلة دعم فيكام، سواء من خلال مواكبة المهنيين الشباب أو عبر تعزيز حضور المهرجان على الصعيد الوطني وتقريبه من الجمهور في أكثر من 40 مدينة.
كما أشارت إلى مبادرة “فيكام المغرب”، التي أصبحت منذ سنوات تساهم في توسيع إشعاع التظاهرة عبر 11 مدينة، حيث تم هذا العام اختيار ستة أفلام من البرمجة الرسمية لعرضها داخل المعاهد الفرنسية بالمغرب، بحضور مخرجين ومنتجين.
وعلى المستوى الدولي، يظل فيلم “أزور وأسمر” للمخرج ميشيل أوسلو أحد أبرز الأمثلة على هذا الإشعاع، وعلى الحضور الرمزي لمدينة مكناس في سينما التحريك العالمية، إذ استلهم المخرج جزءا من ديكوراته وأجوائه البصرية من المدينة.
وفي هذا السياق، أكدت المتحدثة أنها لمست شخصيا، خلال مشاركاتها المتواصلة منذ أربع سنوات في مهرجان آنسي، مدى حضور اسم مكناس داخل أوساط سينما التحريك، سواء في إفريقيا أو أوروبا أو أمريكا، باعتبارها مدينة ارتبط اسمها اليوم بواحد من أبرز مواعيد هذا الفن.
هذا الصدى المتزايد مكن فيكام من ترسيخ موقعه كأحد أكبر مهرجانات سينما التحريك في إفريقيا، إن لم يكن أكبرها، بفضل هويته القائمة على نقل الشغف وخلق مسارات مهنية وفنية جديدة، إضافة إلى طبيعة اللقاءات التي يتيحها بين المبدعين والجمهور.
فمن النادر، بحسب المتحدثة، أن ينجح مهرجان بهذا الحجم في الجمع بين جمهور الأطفال والشباب وبين مهنيين وأسماء بارزة في المجال، مثل علي ركيك وعلي الحريشي، ضمن فضاء واحد يجمع بين التكوين والمتعة والاكتشاف.
ونواصل الابتكار كل سنة في هذا الاتجاه، كما في هذه الدورة الرابعة والعشرين، من خلال اللقاءات السريعة الموجهة إلى الطلبة، والتي تتيح لهم فرصة التواصل المباشر مع مهنيي سينما التحريك.
واليوم، يمكننا القول إن ما بين 80 و90 في المائة من الجمهور الشاب اكتشف سينما التحريك عبر فيكام.
بعيدا عن هذه الدورة، يراهن فيكام على الشباب، وقد جعل الموسم الثقافي الحالي للمعهد الفرنسي بالمغرب من هذا الرهان خيطه الناظم.
ما العمل الذي يتم مع وزارة الثقافة المغربية لإدماج «جواز الشباب»؟من خلال “جواز الشباب”، نقترح فعلا الولوج إلى عدد كبير من أنشطة المعهد الفرنسي.
وهذا التآزر مع وزارة الثقافة يتم على المستوى الوطني، فيما يعمل كل فرع من فروع المعهد على تنزيله محليا وفق خصوصيات منطقته.
وهو مشروع جديد يحتاج إلى الوقت حتى يترسخ ويحقق أثره الكامل.
فجمهورنا هو جمهور المستقبل.
وانطلاقا من قناعتنا بأن الثقافة تشكل رافعة أساسية للشباب المغربي، وخصوصا في مكناس، نعمل مع عدد من الجمعيات لدعم المبادرات الإبداعية، لا سيما في مجال الهيب هوب، سواء عبر مهرجان الموسيقى الحضرية بمكناس، الذي ينظم منذ 17 عاما، أو من خلال برامج التكوين والإقامات الفنية.
كما نشتغل أيضا عبر مشاريع تنخرط فيها مختلف المؤسسات والسلطات المحلية، مثل الدورة الرابعة عشرة لكتاب الشباب “اللقلق الثرثار”، المرتقبة من 8 إلى 13 يونيو، بشراكة مع جماعة المدينة، والمجلس الإقليمي، والمديرية الإقليمية للتربية الوطنية، وغرفة الصناعة التقليدية، والمعهد العالي للفنون التقليدية، وإدارة السياحة.
وسواء تعلق الأمر بفيكام أو بغيره من التظاهرات، فالفكرة تظل هي إطلاق مشاريع جامعة تتيح للسياح والشباب فضاءات للقاء والتبادل في إطار من التنوع والانفتاح والحوار حول الثقافة.
فالمهرجان لم يعد مجرد موعد فني فقط، بل تحول أيضا إلى رافعة عابرة للقطاعات، وإلى منصة حقيقية لانطلاق مسارات مهنية جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك