نواكشوط –«القدس العربي»: لم يعد الجدل المحتدم على منصات التواصل الاجتماعي في موريتانيا مجرد سجالات سياسية عابرة أو ردود فعل ظرفية مرتبطة بحدث معين، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى مؤشر مقلق على تصاعد مناخ من الاحتقان والانقسام، تتداخل فيه الحسابات السياسية بالحساسيات الاجتماعية والهوياتية، وتختفي فيه أحياناً الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وخطابات التحريض والكراهية.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، جاء نداء وجهه ميثاق المواطنة وهو مبادرة أهلية تنشط في مجال الوفاق الوطني بين فئات وأعراق المجتمع، ليطلق تحذيراً صريحاً مما وصفه بمخاطر الانفلات الخطابي المتصاعد، داعياً إلى تحرك وطني عاجل لوقف خطاب الكراهية وتعزيز اللحمة الوطنية، خاصة بعد الجدل الواسع الذي أعقب سجن نائبتين من حركة «إيرا» المدافعة عن حراطين موريتانيا، وهي القضية التي تحولت من ملف قضائي وسياسي إلى شرارة أعادت إلى السطح توترات دفينة داخل الفضاء العام.
ولم يكتف النداء بالتنبيه إلى خطورة الخطاب المتداول على شبكات التواصل، بل حاول تقديم مقاربة متكاملة لمعالجة الأزمة، تقوم على التهدئة، وإعادة بناء الثقة، ومواجهة خطابات التحريض ضمن إطار قانوني ومجتمعي يوازن بين حماية السلم الأهلي وصيانة الحريات العامة.
بدأت موجة التصعيد الأخيرة عقب سجن نائبتين من حركة «إيرا» المعارضة، وهي الخطوة التي أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحقوقية والقانونية.
فبينما رأى البعض أن القضية تدخل ضمن تطبيق القانون، اعتبر آخرون أن الإجراءات المتخذة شابتها تجاوزات تتعلق بالحصانة البرلمانية وضمانات المحاكمة العادلة.
أمام تراشق شرائحي وفئوي تعج به مواقع التواصلغير أن أخطر ما رافق القضية لم يكن داخل المؤسسات القضائية، بل في الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل إلى ساحات استقطاب حاد، تبادل فيها ناشطون ومؤثرون من اتجاهات ومكونات مختلفة خطاباً اتسم في بعض الأحيان بالتحريض والإساءة الجماعية والتعبئة الهوياتية.
ويعكس هذا التحول حجم التوترات الكامنة داخل المجتمع الموريتاني، حيث سرعان ما تنتقل الخلافات السياسية إلى سجالات ذات أبعاد اجتماعية وعرقية، في ظل هشاشة الثقة بين بعض المكونات الوطنية، واستمرار النقاش حول ملفات الغبن والتهميش والعدالة الاجتماعية.
وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، لاعباً أساسياً في تشكيل الرأي العام الموريتاني، غير أن هذا الفضاء المفتوح تحول أيضاً إلى بيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية، بسبب، ما يرى البعض أنه «ضعف الرقابة القانونية والأخلاقية، وغياب ثقافة الحوار المسؤول».
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تخلق تدريجياً حالة من «التطبيع» مع اللغة العدائية، بحيث تصبح الإساءات الجماعية والتوصيفات العنصرية جزءاً مألوفاً من النقاش العام، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وتغذية مشاعر الريبة والعداء بين المكونات.
وفي هذا السياق، استحضر نداء «ميثاق المواطنة» تجربة رواندا، محذراً من أن الحروب الأهلية لا تبدأ عادة بالسلاح، بل بخطابات تحريضية تبدو في بداياتها مجرد كلمات أو شعارات متداولة في الإعلام والمنابر العامة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى وقود للعنف والانهيار المجتمعي.
بين هيبة الدولة واحترام الحريات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك