غزة، ذلك الشريط الساحلي الضيق والمكتظ بأرواح البشر، نموذجٌ صارخٌ يتجاوز بؤسه حدود الجغرافيا الضيقة؛ فهي تمتد على طول واحد وأربعين كيلومتراً من الحصار المطبق، الذي تفرضه دولة الاحتلال من الشمال والشرق، ومصر من الجنوب، بينما يغلق البحر الأبيض المتوسط آفاقها من الغرب.
إلا أن وصف غزة بأنها سجن مفتوح لم يعد كافياً للإحاطة بالواقع الوجودي المروع الذي يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني؛ إذ إن الحصار لا يعمل فقط من خلال الجدران الخرسانية والحواجز المادية، بل عبر تنظيم دقيق وهندسي للحركة، والتحكم المطلق في الموارد الأساسية، والمراقبة المستمرة التي تشكل أدق تفاصيل الحياة اليومية.
لقد تحولت غزة إلى بيئة فريدة شكلتها سنوات من الحرب التقنية المتقدمة، حيث أنشأت دولة الاحتلال نقاط تفتيش بيومترية جديدة تعمل بالذكاء الاصطناعي، تهدف إلى جمع البيانات وإجراء تحليلات خوارزمية لتاريخ حياة البشر، من دون موافقتهم، ما حطم الخصوصية تماماً تحت ذريعة الدفاع الاستباقي عن النفس، وحول القطاع إلى ما يشبه المختبر الكبير لاختبار تكنولوجيات السيطرة والقمع التي تُصدر لاحقاً للعالم كتقنيات «مجربة في الميدان».
في كتابه «مختبر فلسطين»، يكشف الصحافي والباحث أنطوني لوفنشتاين كيف أصبحت فلسطين الموقع المفضل لاختبار المجمع العسكري التكنولوجي لدولة الاحتلال، حيث تجري عمليات المراقبة وتدمير المنازل والاعتقال غير المحدود بشكل روتيني يتكامل مع التكنولوجيا الحيوية المتقدمة.
هذا الوضع يولد حصاراً بيوسياسياً وتكنولوجياً يتغلغل في نسيج الحياة ذاته، حيث تتقلص آفاق الاحتمالات وتتضاءل إمكانية تقرير المصير بشكل حاد نتيجة الارتهان للخوارزمية.
إن جانب «الهواء الطلق» في هذا السجن، يسلط الضوء بشكل موجع على انتشار التحكم في كل جانب من جوانب الحياة، من السعرات الحرارية المسموح بدخولها إلى الترددات اللاسلكية، ما ينشر قلقاً وجودياً غير متكافئ بين السكان، ويثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الحرية والفاعلية، ومعنى الوجود داخل مساحة تكون فيها الحياة معرضة للخطر ومقيدة في آن واحد، وحيث تُنكر فيها إمكانية الازدهار بشكل منهجي وتتشوه الحدود بين الداخل والخارج، وبين الصحة والمرض بشكل ينذر بالخطر الأخلاقي والإنساني.
غياب السيادة المستقلة يعني أن حياة وموت الغزيين يخضع كلياً لمنطق العمليات العسكرية الخوارزمية، مما يؤسس لحالة يتم فيها إدارة الموت بدلاً من رعاية الحياةلطالما كانت المعاناة الكبرى في غزة ناتجة عن الهجمات العشوائية وغير المتناسبة التي يحظرها القانون الدولي الإنساني، فضلاً عن الحصار الذي أدى إلى صعوبات اقتصادية خانقة، وانعدام الوصول إلى المياه النظيفة والإمدادات الطبية والأدوية والغذاء.
يعتمد الغزيون بشكل شبه كامل على المساعدات الدولية التي غالباً ما تُمنع من الدخول، أو تتعرض للهجوم المباشر الممنهج، كما تجلى في الحوادث المأساوية التي استهدفت عمال الإغاثة في «المطبخ المركزي العالمي»، أو القصف المتكرر لمستودعات ومراكز توزيع الأونروا.
وهنا يبرز مفهوم «النكرو- سياسة»، الذي صاغه الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي، ليشير إلى سياسة الموت؛ أي كيفية ممارسة السلطة عبر التحكم في حدود الحياة والموت.
في غزة، تتجلى النكرو- سياسة كقوة شريرة تدير «عوالم الموت»، وهي مساحات وظروف تُعتبر فيها أرواح معينة هشة وفائضة عن الحاجة وغير جديرة بالرثاء.
إن هؤلاء «غير الجديرين بالرثاء»، هم مجموعات يتم تقليل قيمة حياتهم بشكل منهجي لدرجة أن وفاتهم لا يتم الاعتراف بها كخسارة إنسانية عالمية، بل تُعامل حياتهم كأشياء قابلة للاستهلاك وموتهم يُقابل باللامبالاة أو التبرير العسكري والسياسي.
تظهر عدم الجدارة بالرثاء لحياة الفلسطينيين في التفاوت الصارخ في أعداد الضحايا وغياب المحاسبة الدولية الفعالة، وهي نتيجة لمخطط إطاري يصنف السكان كأشياء يمكن التخلص، ن دون تبعات قانونية.
وغالباً ما يُشار إلى موت المدنيين في غزة على أنه «أضرار جانبية» لا يمكن تجنبها، أو يُبرر على أنه خطأ تقني، كما حدث في مجازر الخيام في رفح.
وفي سياق متصل، يتم تبرير التحكم الصارم في الأدوية وتآكل نظام الرعاية الصحية واستهداف الكوادر الطبية كجزء من منطق ما يُسمى بالحرب الشاملة.
المرضى، من الأطفال الخدج في الحضانات إلى كبار السن المصابين بأمراض مزمنة، يموتون بصمت نتيجة نقص الرعاية الطبية الأساسية، أو استهداف المستشفيات المباشر، وهو ألم يتفاقم بسبب الظروف البيئية القاسية من برد وجوع وغياب للمأوى، ما يكشف بوضوح أن الأرواح في غزة لا تُقدر بالتساوي في ميزان القوى العالمي، ولا تحظى بالكرامة التي تضمنها الشرائع الدولية.
ويحدث كل هذا على خلفية حصار دام عقوداً أدى إلى انهيار اقتصادي حاد وارتفاع معدلات البطالة والفقر وسوء التغذية، مما ساهم في نتائج كارثية على الصحة البدنية والعقلية وانتشار الأوبئة الفتاكة.
وتجد حالة «سلب الطفولة» كما عبرت عنها نادرة كيفوركيان تجليها المطلق في غزة، حيث يُحرم جيل كامل من حقوقه الأساسية في الأمان والنمو، ما يشكل انتهاكات صارخة للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.
يجادل الفيلسوف جورج أغامبين، بأن السلطة السيادية تخلق «حالة استثناء» دائمة حيث يمكن اختزال الفرد في حياة مجردة من جميع الحمايات السياسية والقانونية والمدنية، ما يجعلهم «كائنات مستباحة» قابلة للقتل، من دون أن يُعد ذلك جريمة قتل قانونية.
بالنسبة لأغامبين، يعد معسكر الاعتقال النموذج المكاني المثالي لإنتاج هذه الحياة المستباحة، وسكان غزة يعيشون بالفعل في هذه الحالة؛ حيث يتم تعليق سيادة القانون والحمايات الدولية بشكل دائم، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
هذا ليس إجراءً مؤقتاً تفرضه ضرورة أمنية عابرة، بل هو وضع سياسي ثابت ومقنن يدعمه حصار عسكري طويل الأمد يتجاوز كل المواثيق الدولية.
وإذا كان فوكو قد رأى في «البانوبتيكون» وسيلة لتحويل البشر إلى أجساد طيعة عبر الرقابة الدائمة، فإن غزة اليوم تمثل النسخة الرقمية الأكثر وحشية من هذا النموذج؛ حيث لم تعد الرقابة تهدف إلى التدجين فحسب، بل إلى المحو وإعادة صياغة الوجود الإنساني عبر خوارزميات صماء.
إن غياب السيادة المستقلة يعني أن حياة وموت الغزيين يخضع كلياً لمنطق العمليات العسكرية الخوارزمية، مما يؤسس لحالة يتم فيها إدارة الموت بدلاً من رعاية الحياة، وتصبح المجازر مجرد نتائج إحصائية لعمل تقني عسكري مدروس سلفاً.
إن الإنسان المستباح هو شخص وضع خارج حدود حماية القانونين البشري والإلهي، يعيش في حالة من البين-بين، حيث يقع تحت سلطة السيادة المطلقة، ولكنه محروم من مجال الحقوق، مما يختزل وجوده في مجرد وظيفة بيولوجية طبيعية محرومة من أي أبعاد سياسية.
هذا الواقع الملموس يتجسد من خلال استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة للمراقبة والاستهداف، مثل نظام «لافندر» ونظام «إنجيل» (Habsora)، اللذين يخلقان منظومة تقنية للإماتة الممنهجة.
تسمح هذه التقنيات بتحديد سريع وآلي للأهداف البشرية والإنشائية بناءً على معطيات بيانية غير مؤكدة، ما يجعل السكان معرضين بشكل دائم للقوة المميتة بضغطة زر.
الاستهداف المنهجي للبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المخابز وخزانات المياه والمستشفيات، هو تجلٍ مباشر لهذه الحالة، حيث يُدار السكان ليس من أجل استمرار حياتهم، بل من أجل تعرضهم المنهجي للفناء البطيء أو السريع.
ومع تآكل الحدود بين الحياة العامة والخاصة نتيجة التجسس الرقمي المكثف، يصبح كل فعل إنساني، حتى الاتصال الهاتفي بالعائلة، عرضة للفحص الخوارزمي، مما يخلق مناخاً من الإرهاب النفسي الذي يرسخ القمع ويحطم الروح المعنوية.
إن التأثير النفسي للمراقبة المستمرة يخلق مناخاً من الخوف يزيد من ترسيخ القمع، حيث يصبح كل فعل عرضة للفحص والتدقيق، مما يعيق التعبير الحر وممارسة الحقوق الأساسية.
تفرض هذه التطورات التكنولوجية تحديات أخلاقية وقانونية غير مسبوقة.
إن استخدام نظام «لافندر» لتحديد عشرات الآلاف من الأهداف البشرية، يظهر كيف تم إعطاء الأولوية القصوى للسرعة والفتك على حساب التحقق البشري والتمييز الأخلاقي، مما يحول الحرب إلى مصنع اغتيال آلي.
إن الاعتماد على مخرجات خوارزمية تمنح الأفراد درجة احتمالية للقتل يختزل الكيان الإنساني في مجرد شيفرة رقمية، حيث يمكن لخطأ بسيط في البيانات أو تحيز خوارزمي ناتج عن تعلم الآلة أن يحول طبيباً أو صحافياً إلى هدف عسكري مشروع.
ومن وجهة نظر الأخلاقيات الحيوية، فإن التدمير الممنهج للمنظومة الصحية في غزة، ليس مجرد نتيجة جانبية للقتال، بل هو استهداف للحق في الحياة والصحة لسكان بأكملهم.
كما يتركز الجدل الأخلاقي حول فجوة المساءلة وتطبيق المبادئ الأساسية على مسرح حرب معاصر، حيث يصارع علماء الأخلاقيات حالياً مع معضلة تحديد المسؤول عن خطأ خوارزمي يؤدي لسقوط ضحايا مدنيين.
وفضلاً عن ذلك، يتخذ نزع الإنسانية في غزة شكلاً تكنولوجياً تصاعدياً يجسد أسوأ كوابيس الروايات الديستوبية؛ حيث يعيش الفلسطينيون تحت نظام مراقبة تُسيطر فيه «النظرة الأمنية» المطلقة على وجودهم وتُجرد حياتهم من أبعادها الإنسانية والجمالية.
إن السيطرة على المعلومات، وقطع الإنترنت المتعمد، وقتل الصحافيين، تهدف جميعها إلى ممارسة «ظلم معرفي» يحرم الغزيين من سرد مأساتهم للعالم بلغتهم الخاصة، ويشوه الحقيقة عبر ضخ روايات تبريرية مضللة.
وفي الواقع، فإن هذا التلاعب بالحقائق عبر تصفية جوانب الصراع التي لا تخدم الرواية المهيمنة، لعب دوراً طويلاً في تشكيل فهم العالم تجاه القضية الفلسطينية، مما جعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والخيال.
يتجسد الأخ الأكبر )الرمز الأورويلي للرقابة الشاملة) في غزة عبر منظومة تقنية تسلط على الفلسطيني منظوراً استعلائياً ينزع عنه صفته البشرية.
هذه النظرة تختزل الفلسطيني في موضوع للمراقبة والاشتباه، تماماً كما شرح فرانتز فانون تجربة المستعمر الذي يشعر بأن وجوده قد جُرد من إنسان، ليصبح مجرد صورة نمطية مشوهة في عين مستعمره.
لقد برز تناقض أخلاقي وحضاري حاسم في الصمت المريب للمجتمعات الطبية والأكاديمية الدولية تجاه تدمير الرعاية الصحية في غزة، رغم التزام هذه المجتمعات التاريخي واللفظي بدروس «الهولوكوست» حول ضرورة منع نزع الإنسانية وتواطؤ المهنيين في الجرائم ضد البشرية.
إن غياب الموافقة المستنيرة والشفافية في جمع البيانات البيومترية في غزة، حيث يُجبر السكان على الخضوع لمسح الوجوه والعيون كشرط للحصول على الحد الأدنى من الغذاء، أو التنقل، يطرح معضلة أخلاقية كبرى؛ إذ لا يملك الأفراد خيار الرفض في ظل التهديد بالموت.
إن المراقبة الدائمة لا تنتهك الخصوصية فحسب، بل تدمر مفهوم الاستقلالية الفردية وتجعل من الصعب ممارسة أي فعل سياسي أو اجتماعي حر.
بالنسبة لعلماء الأخلاقيات الحيوية، فإن الوضع في غزة يمثل لحظة الحقيقة للمبادئ العالمية؛ فإما أن تكون حقوقاً للجميع أو أن تكون مجرد أدوات بلاغية تخدم القوي وتُحجب عن المستضعف، مما يستوجب صياغة أخلاقيات حيوية جديدة قائمة على الشهادة والمقاومة الفعلية لمنظومات الفناء التكنولوجي، مرسخين تقييمهم في الواقع القاسي لمناطق النزاع.
لقد أدى قصر نظر الأخ الأكبر، الذي خلّده جورج أورويل وتعطشه للقوة والسيطرة، في النهاية، إلى هلاكه؛ وتعتبر هذه الاستعارة بمثابة حكاية تحذيرية حول النتائج المحتملة للتقدم التكنولوجي غير المنضبط الذي يفتقر للوازع الأخلاقي.
إن التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الحيوية في غزة يرسم صورة معقدة للمقاومة والصمود في وجه القمع المنهجي، حيث لا يتم الدفاع عن الأرض فحسب، بل عن المعنى الجوهري للكرامة البشرية.
يحتاج العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إرادة جماعية شجاعة ترفض فكرة أن هناك حياة غير جديرة بالرثاء، وتعمل بجد لضمان ألا تظل التكنولوجيا وسيلة لترسيخ الظلم، بل أداة لحماية الإنسان، لعلنا نتمكن من استبدال لغة القوة والقتل الخوارزمي بالروايات النابضة بالحياة لشعب يقاوم المحو ويتمسك بحقه الأصيل في الشمس والحرية والمستقبل.
إن ما يحدث في غزة يهدد بأن يكون سابقة لدولة استيطانية أعلنت رغبتها في التوسع، مما يستوجب أطراً صلبة تحافظ على قدسية الحياة وترفض منطق الإبادة الجماعية، مستبدلين صوت «الفيتو» بأصوات الشعوب التي تستعيد حاضرها وحقها في الوجود.
كاتبة لبنانية وناشطة في مجال حقوق الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك