تشتهر مملكة البحرين بمآذنها العالية التي تعانق السماء، ويصدح منها صوت الأذان في الصلوات الخمس بألحان شجية؛ إذ تتعالى تلك الأصوات عبر مآذن الجوامع والمساجد لتمتزج بنبرة إسلامية فريدة يجسدها صوت الإنسان البحريني.
وتشكل هذه الأصوات الجميلة همسات تطرب لها المسامع، وتشد الانتباه للإقبال على الصلاة بقلوب يملؤها الخشوع والسكينة والتعلق بمساجد الله وجوامعه المختلفة.
وكالعادة في يوم الجمعة، نحط رحالنا في أحد جوامع البحرين؛ حيث أرست مراكبنا عند" جامع سار الكبير"، الذي يعد من الجوامع الكبيرة في المملكة.
ويلفت انتباهك في هذا المكان ذلك الصرح والمركز الإسلامي الرائع الذي شيده الإنسان البحريني، ويحظى بدعم كريم من لدن صاحب الجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المُعظم حفظه الله ورعاه.
وما إن نضع أمتعة الدنيا وراء ظهورنا، ونخطو داخل هذا الصرح الإسلامي الذي يتسع لمئات المصلين، حتى نراه يغص بالجموع التي تتوافد إليه من منطقة سار وضواحيها.
وحينما يعتلي المنبر فضيلة القاضي الدكتور الشيخ جمعة توفيق الدوسري، إمام وخطيب جامع سار، يشد مسامعك بما وهبه الله من فصاحة وبلاغة، وحسن منطق، وبيان عذب، وتلاوة تريح المسامع وتلين القلوب، وتبعث الطمأنينة في عقل وفكر كل مستمع، وسط مشهد لا مثيل له من الإنصات التام من قبل الحاضرين.
وأثناء سماعك لخطبته التي يدعو من خلالها إلى الخير والوسطية، والتحلي بقيم الإسلام السمحاء، يلهج بالدعاء لولاة الأمور؛ لملكنا المفدى بأن يطيل الله في عمره ويرزقه البطانة الصالحة، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء.
تستمع إلى الخطبة بعبادة وخشوع لا مثيل لهما، وبقلب منشرح، وتتمنى لو أن الخطبة تطول أكثر؛ نظراً لما وهب الله الخطيب من قدرات بيانية تشد انتباه المستمعين، وتُشعرهم بالروحانية الإيمانية.
ويعتمد الشيخ في خطبته على أسلوب التشبيه البليغ، رابطاً بين الواقع والحياة اليومية وبين عمل الخير والإحسان، حريصاً على غرس هذه السجايا في نفوس الناس بأسلوب بليغ يعتمد على بساطة الطرح وعمق التأثير، وكأنما يخاطب عقل كل فرد بعينه؛ نظراً لقوة بلاغته وجمال سرد الحديث، حتى لتظن من قوة المعاني وسياقها أنك أنت المخاطب والمقصود بها دون غيرك!تنتهي الخطبة وتقام الصلاة، فيصلي الإمام بتلك الأفواج التي تقف خلفه في مشهد رباني مهيب، ويأسر قلوب المصلين خلفه بصوته الشجي وتلاوته الندية التي تريح القلب كهمس يتدفق بين الشرايين، لتمتزج بخشوع وإيمان يتعمق في ذات المصلي، ويفجر مشاعراً عظيمة نتعلم منها الكثير من قيم الإسلام السمحاء.
ويشكل هذا الصرح الإسلامي منارة أخرى لنشر معاني الوسطية والاعتدال، وبث قيم المحبة والسلام في حياتنا اليومية، في ظل العهد الزاهر الذي يخلد إنجازاته الملك المعظم، وولي عهده الأمين، وكل الأوفياء في هذا البلد المعطاء.
لقد كانت زيارة سريعة في ركاب هذا الركب الإسلامي الحضاري، الذي يعد عنواناً بارزاً آخر في مسار الإنجازات التنموية، لا سيما في مجال العمارة الإسلامية التي تنشر الخير والنور بين أوساط المجتمع البحريني الأصيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك