عمان - في مساء ثقافي مشبع بالإنسانية والوجع والجمال، احتضن" جاليري إطلالة" في جبل اللويبدة افتتاح معرض الفنان التشكيلي الأردني خيري حرز الله بعنوان" نزف منفرد"، وسط حضور واسع من الفنانين والكتاب والمثقفين ومحبي الفن، في مشهد بدا أكبر من مجرد افتتاح معرض تشكيلي، بل أقرب إلى احتفال نادر بقدرة الإنسان على تحويل ألمه إلى جمال، ومرضه إلى طاقة مقاومة لا تنطفئ.
اضافة اعلانفالعنوان لم يأتِ من فراغ، ولم يكن مجرد صياغة شعرية عابرة، بل كان وصفاً مكثفاً لتجربة إنسانية كاملة يعيشها الفنان الذي يقف اليوم في مواجهة مرض باركنسون، ذلك العدو الصامت الذي يهاجم الجسد ويزرع الارتجاف في اليدين، وهما" الأداة الأولى" في الرسم والنحت.
لكن خيري حرز الله رفض أن يجعل المرض خاتمة مسيرته الطويلة، واختار بدلاً من ذلك أن يحوله إلى بداية جديدة لنوع آخر من الفن، أكثر صدقاً ووجعاً وعمقاً.
في القاعة، كانت اللوحات تبدو كأنها تنبض من الداخل، وكأن كل ضربة فرشاة تحمل ارتجافة روح قبل أن تكون ارتجافة يد.
اللون هنا لا ينساب فقط، بل يقاتل، والخطوط لا تستقر على سطح اللوحة بطمأنينة، بل تتحرك كأنها تحاول أن تنتصر على شيء خفي يطاردها.
لذلك بدا المعرض كله وكأنه سيرة ذاتية مرسومة لفنان يرفض السقوط، ويصر على أن يبقى واقفاً رغم التعب.
وخلال افتتاح المعرض، تحدث الكاتب زياد بركات بصوت مفعم بالتأثر قائلا: " إن إصابة خيري بمرض باركنسون هي من أقسى ما يواجهه فنان تشكيلي، لأن اليد بالنسبة للفنان ليست مجرد عضو في الجسد، بل امتداد مباشر للخيال والإحساس".
وأضاف أن الارتجاف الذي لا يمكن السيطرة عليه يعيق التدفق الكامل تجاه اللوحة، ويجعل كل خط مرسوم أشبه بمعركة صغيرة مع الجسد، لكن حرز الله لم يستسلم، بل واصل الرسم بيد ترتجف، وكأن الريشة نفسها تتعلم كيف تعانق اللون رغم الألم.
وقال بركات مخاطباً الفنان: " هذه بطولتك يا صديقي"، مؤكداً أن البطولة الحقيقية ليست في القوة الجسدية، بل في القدرة على الاستمرار حين يظن الجميع أن الاستمرار أصبح مستحيلاً".
ولم يكن" نزف منفرد" مجرد معرض شخصي، بل بدا كأنه بيان إنساني وفني مفتوح على قضايا الإنسان والحرية والألم.
فقد ربط خيري حرز الله عنوان معرضه بما حدث لمدينة غارنيكا الإسبانية التي قُصفت العام 1937 بعد حصارها من الجهات الأربع، مشيراً إلى التشابه بينها وبين غزة التي عاشت الحصار ذاته العام 2023، حيث وجد الفنان في المدينتين صورة واحدة للنزف الإنساني والعزف المنفرد للحرية وسط صمت العالم.
هذا الربط بين النزف الشخصي والنزف الجمعي منح اللوحات بعداً آخر، فصار المرض الشخصي للفنان جزءاً من وجع أكبر يخص الإنسان في كل مكان، وأصبحت الارتجافة التي تمر عبر الريشة أشبه بإيقاع بصري يعكس ارتجاف العالم نفسه أمام الحروب والقهر والحصار.
وعلى مدار عقود طويلة، استطاع خيري حرز الله، أن يرسخ اسمه في المشهدين التشكيليين الأردني والعربي.
فقد حصل على جائزته الأولى العام 1988 في مسابقة شعار صحيفة" الشعب"، ثم نال الجائزة الأولى في مسابقة" ملصقات الأيام الثقافية الأردنية الفلسطينية" العام 1990، والجائزة الثانية في مسابقة" أمانة عمان للفنون التشكيلية" العام 2007، قبل أن يتم تكريمه من رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين العام الماضي، تقديراً لمسيرته الفنية الطويلة.
كما شارك في معارض ومحافل دولية بارزة، من بينها" بينالي بكين الدولي"، و" بينالي الشارقة"، ومعرض" هانوفر إكسبو" في ألمانيا، فيما ما تزال أعماله النحتية شاهدة على حضوره الفني في مواقع عديدة، من حدائق المتحف الوطني الأردني إلى مدينة الحسين الرياضية، وجامعة مؤتة وعين عفرة.
ومن جانبه، عبر الفنان التشكيلي كمال أبو حلاوة، عن تأثره العميق بتجربة خيري، مؤكداً أن الفنان الحقيقي لا يتقاعد أبداً، لأن عينيه تظلان ترسمان العالم حتى لو أتعب المرض جسده.
وقال: " إن ما يفعله خيري اليوم حالة فريدة من التحدي والإصرار، فهو لا ينافس المرض فقط، بل ينافس اليأس نفسه، ويثبت أن الروح قادرة على أن تجد وسيلتها للتعبير مهما ضاقت المساحات".
وأضاف أبو حلاوة، أن الفنان يمتلك أدوات تتجاوز اليدين، فهو يرسم بإحساسه وخياله وقلقه وشغفه، وقد يلجأ إلى أي وسيلة تبقي الفن حياً داخله، لأن التعبير بالنسبة للفنان ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية لا يمكن التخلي عنها.
وفي شهادته المؤثرة، تحدث زياد بركات أيضاً عن شعوره بالحزن تجاه تهميش الثقافة والفنانين، متمنياً لو حضر مسؤولون وممثلون عن الدولة هذا المعرض، لا بوصفه مناسبة بروتوكولية، بل إيماناً حقيقياً بأن الثقافة جزء من هوية البلاد، وأن تكريم المبدعين يجب ألا يبقى مجرد عبارات تقال في المناسبات ثم تُنسى.
وأضاف أن الذهاب إلى جبل اللويبدة لحضور المعرض أعاد إليه شعوراً قديماً افتقده كثيراً؛ شعور الوقوف أمام لوحة والتأمل فيها بصمت، أو الجلوس في مسرح صغير لمشاهدة تجربة فنية صادقة بعيداً عن ضجيج الاستعراض.
وفي" نزف منفرد"، لا يقف الزائر أمام لوحات فنية فقط، بل أمام سيرة إنسان يقاتل كي يبقى متصالحاً مع الحياة.
فكل عمل معروض يحمل شيئاً من ارتجاف الجسد، وشيئاً من نزف الروح، وشيئاً من الإصرار الذي يجعل الفن أكثر قوة حين يولد من المعاناة.
يبقى السؤال الذي يطرحه المعرض بقوة: هل الفنان هو من يصنع الفن، أم أن الفن نفسه هو الذي يصنع للفنان جسراً يعبر به فوق ألمه؟ وربما يجيب خيري حرز الله عن ذلك دون كلمات، وهو يقف أمام لوحاته مبتسماً رغم التعب، كأنه يقول إن الإنسان قد يضعف جسده، لكنه لا يفقد روحه ما دام قادراً على الحلم.
ويستمر معرض" نزف منفرد" في" جاليري إطلالة" باللويبدة حتى نهاية الشهر الحالي، ويفتح أبوابه أمام الزوار ومحبي الفن التشكيلي للاطلاع على تجربة إنسانية استثنائية، تؤكد أن الريشة قد ترتجف، لكن الجمال لا يسقط أبداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك