عاد ملف قانون العفو إلى واجهة الاشتباك السياسي والقضائي، لكن هذه المرّة من بوابة بند أثار غضباً واسعاً داخل الأوساط العسكرية والقانونية، بعدما تحوّل ما بات يُعرف بـ”بند السبع جنايات” إلى محور اتهامات سياسية مباشرة للنائب ميشال معوض، بالمساهمة في تمرير صيغة قانونية قد تفتح الباب أمام تخفيف العقوبات عن متهمين ومحكومين ارتبطت أسماؤهم بملفات قتل وخطف عسكريين.
وتتجه الأنظار تحديداً إلى الدور الذي لعبه معوض في إقناع عدد من النواب المسيحيين المشاركين في التسوية، وبينهم غادة أيوب وسليم الصايغ، بالسير بهذا البند ضمن ما يُعرف بـ”تسوية بعبدا”.
وإذا كان مفهوماً، وفق مصادر معارضة للمشروع، دعم بعض النواب السنّة له في سياق الحسابات والمزايدات الانتخابية، فإن السؤال المطروح بقوة: كيف يقبل نواب يرفعون شعار السيادة والدفاع عن الدولة بالسير ببند يُنظر إليه على أنه هدر لحقوق شهداء الجيش؟البند الوارد ضمن التسوية ينصّ على أنه “إذا كانت الجرائم من نوع الجنايات التي لا يتجاوز عددها سبع جنايات، تُنفَّذ العقوبة الأشد دون سواها”، ما يعني عملياً أن المحكوم بعدة جنايات، يصل عددها إلى سبع، قد يستفيد من تنفيذ العقوبة الأشد فقط، فيما تُسقط عملياً باقي العقوبات الناتجة عن الجرائم الأخرى ضمن إطار الإدغام.
وهنا تحديداً انفجرت علامات الاستفهام.
لماذا الرقم 7 تحديداً؟ ومن المستفيد من وضع هذا السقف العددي؟ ولماذا أصرّ بعض النواب على إدراجه داخل التسوية؟مصادر سياسية وقضائية مطلعة تؤكد أن النائب ميشال معوض يقف خلف الدفع بهذا البند، في خطوة تصبّ، بحسب هذه الأوساط، في مصلحة مصطفى الحجيري، المعروف بـ”أبو طاقية”، الذي ارتبط اسمه بأحداث عرسال وملف العسكريين المخطوفين، ويواجه أو حوكم في ملفات مرتبطة بالتحريض ضد الجيش وقتل عسكريين.
وبحسب هذه القراءة، فإن “تسوية السبع جنايات” ليست مجرد تفصيل قانوني، بل صيغة جرى إعدادها بعناية لتأمين مخرج قانوني يسمح عملياً بتخفيف التنفيذ أو فتح الباب أمام الإفراج عن أسماء محددة، وفي مقدمتها “أبو طاقية”.
الأخطر، وفق مصادر متابعة للملف، أن ما يجري لا يمسّ فقط فلسفة العقوبة، بل يضرب جوهر العدالة وهيبة الدولة، ويحوّل المجلس النيابي من سلطة يُفترض أن تحمي المجتمع والمؤسسات العسكرية، إلى منصة لإنتاج التسويات الخاصة وتفصيل القوانين على قياس متهمين في ملفات إرهاب وقتل عسكريين.
وتزداد خطورة هذا البند عند العودة إلى خلفية مصطفى الحجيري نفسه.
ففي نيسان 2021، أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة حكماً بالأشغال الشاقة المؤبدة على مصطفى أحمد الحجيري، الملقب بـ”أبو طاقية”، وحكماً بالأشغال الشاقة لمدة 20 سنة على نجله عبادة الحجيري، على خلفية التحريض على الجهاد ضد الجيش وقتل ومحاولة قتل عسكريين، ومن بينهم الرائد الشهيد بيار بشعلاني والمؤهل أول الشهيد إبراهيم زهرمان في عرسال عام 2013.
كما تضمّن الحكم اتهامات تتعلق بقتل عسكريين، وتحقيرهم أثناء قيامهم بالوظيفة، وسرقة أسلحة وعتاد وأجهزة عسكرية، إضافة إلى إحراق آليات تابعة للجيش.
ولم يتوقف اسم “أبو طاقية” عند هذا الحد، إذ أوقفته استخبارات الجيش في تشرين الثاني 2017 بموجب مذكرات توقيف صادرة عن القضاء العسكري، على خلفية ملفات أحداث عرسال وخطف العسكريين من الجيش وقوى الأمن الداخلي على يد المجموعات المسلحة.
وتشير وقائع قضائية وإعلامية متداولة إلى أن التحقيقات معه ركّزت على ملف العسكريين المخطوفين، وعلى دوره في نقل عدد منهم وتسليمهم إلى مجموعات مسلحة كانت تنشط في جرود عرسال.
كما تشابك اسم الحجيري مع ملف استشهاد النقيب بيار بشعلاني والمعاون أول إبراهيم زهرمان، ومع ملف العسكريين الذين خُطفوا في آب 2014، قبل أن يُستشهد عدد منهم ذبحاً أو رمياً بالرصاص على يد تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”.
من هنا، جاء اعتراض قيادة الجيش على بند “السبع جنايات” حاداً وواضحاً.
ففي الملاحظات الرسمية التي أعدّتها القيادة على تسوية بعبدا، اعتُبر أن هذا البند يشكّل تدخلاً مباشراً في عمل القضاء، وتقويضاً لمبدأ الردع، لأن المحكوم قد يستفيد أولاً من تخفيض العقوبات، ثم يستفيد ثانياً من تنفيذ العقوبة الأشد فقط، ما يؤدي عملياً إلى إسقاط العقوبات الناتجة عن باقي الجرائم.
كما حذّرت قيادة الجيش من أن اعتماد سقف “السبع جنايات” يسمح فعلياً لمحكومين في ملفات خطيرة مرتبطة بعرسال والإرهاب بالاستفادة من الإدغام الموسّع، والاكتفاء بعقوبة واحدة بدل تنفيذ كامل الأحكام.
وفي خلفية كل ذلك، يعود السؤال الذي يرفض كثيرون تجاهله: أي رسالة تُوجَّه اليوم إلى ضباط وعناصر الجيش الذين يقاتلون الإرهاب ويدفعون الدم دفاعاً عن الدولة، حين تتحول دماء رفاقهم إلى مادة تفاوض سياسي داخل تسوية تشريعية؟وهل أصبح المطلوب من المجلس النيابي إنتاج قوانين تحمي المجتمع، أم فتح مخارج قانونية لمن ارتبطت أسماؤهم بقتل العسكريين وخطفهم والاعتداء على المؤسسة العسكرية؟أما البند المثير للجدل في تسوية بعبدا، فقد نصّ حرفياً على الآتي:استثنائياً، وخلافاً لأي نصّ آخر، وفي جميع الجرائم المرتكبة قبل تاريخ نفاذ هذا القانون والتي صدرت فيها أحكام، وفي حال تعدّد الجرائم، يُعمل بما يأتي:أ- إذا كانت الجرائم من نوع الجنحة، أو كانت من نوع الجنايات التي لا يتجاوز عددها سبع جنايات، تُنفَّذ العقوبة الأشد دون سواها.
ب- إذا تجاوز عدد الجنايات سبع جنايات، تُضاف إلى العقوبة الأشد مدة لا تتجاوز نصف مدتها.
”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك