لم تمضِ خطوات تشكيل الحكومة العراقية على نحو يسير، إذ شابها كثير من التعقيدات والخروق الدستورية، فبعدما أجريت الانتخابات البرلمانية بتاريخ الـ11 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025، دخلت البلاد في فترة فراغ سياسي وتعطيل مدته 71 يوماً انتهت في الـ11 من أبريل (نيسان) عام 2026 بانتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية، لتأتي بعدها مرحلة أكثر تعقيداً تمثلت بغياب التوافق على تسمية رئيس الوزراء، إذ طرحت أسماء واستبعدت أخرى ليعلن" الإطار التنسيقي" في الـ27 من أبريل ترشيح علي الزيدي لرئاسة الوزراء، وقد سلم رئيس الجمهورية كتاب تكليف الزيدي، تشكيل الحكومة، بصفته مرشح الكتلة الأكبر، وخصصت جلسة مجلس النواب رقم 24 التي عقدت في الـ14 من مايو (أيار) الجاري، والتي تندرج ضمن الدورة الانتخابية السادسة، في سنتها التشريعية الأولى، وفصلها التشريعي الأول، على التصويت على تشكيل الحكومة برئاسة الزيدي.
ومنح مجلس النواب العراقي في جلسته الثقة لحكومة الزيدي ومنهاجها الوزاري، كما صوت البرلمان على 14 وزيراً، ولم يمنح مجلس النواب، خلال جلسته، الثقة لمرشحي وزارات التخطيط والثقافة والإعمار والتعليم العالي والداخلية، وكان الزيدي رشح أحمد ناظم العزاوي لوزارة التخطيط، وعامر الخزاعي لوزارة التعليم العالي، وقاسم عطا لوزارة الداخلية، وريباز حملان لوزارة الإعمار والإسكان، وأجل مجلس النواب التصويت على وزارات الدفاع والعمل والهجرة والشباب والرياضة.
يقع المنهاج الوزاري لحكومة العراق 2026-2029 في 13 صفحة، وأتت رؤية المنهاج بعبارات" دولة مستقرة، اقتصاد منتج، شراكات متوازية".
وكان عنوان المحور الأول للمنهاج تعزيز سيادة الدولة والأمن الوطني.
في السياق رأى مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر أن" المنهاج الوزاري يختلف عن المناهج السابقة، إذ إنه مختصر، ولا يتضمن كثيراً من الإنشاء، إضافة إلى أنه قدم الدولة المستقرة على أي هدف آخر، فالدولة غير المستقرة من المستبعد أن تكون فيها سيادة حقيقية".
وضم محور سيادة الدولة مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهي المرة الأولى التي يتضمن المنهاج الوزاري هذه الفكرة على نحو صريح مقارنة بالمناهج الوزارية السابقة، مضيفاً" تؤشر هذه الفكرة إلى جدية الحكومة، لأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بوجود سلاح الدولة مع سلاح مُوازٍ لها، ولا يمكن بناء شراكات اقتصادية سواء مع دول الجوار أو من المجتمع الدولي".
في ما يخص السياسة الخارجية، ضم المحور مجموعة نقاط ركزت على فكرة إبعاد العراق عن محاور الصراع الإقليمي والدولي، كخطوة أساسية لحماية استقراره الداخلي، وتوفير بيئة آمنة للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات، وشدد، أيضاً، على ضرورة تعزيز العلاقات مع الدول المؤثرة دولياً والسعي إلى بناء علاقة متميزة مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج العربي ودول الجوار الإقليمي على أساس المصالح المشتركة واعتماد مبدأ عدم السماح أن يكون العراق ممراً أو منطلقاً للاعتداء على الدول الأخرى.
في السياق أوضح رئيس حزب أمارجي الليبرالي قصي محبوبة" أن العراق يمر بأكثر مراحله تعقيداً منذ عام 2003، والتحدي الأكبر هو تحديد هويته في محيطه الإقليمي والدولي، وكيف ستعمل الحكومة الجديدة على تحديد هذه الهوية، لا سيما في ظل تنازع النفوذين الأميركي والإيراني في العراق".
وأشار مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر، من ناحيته، إلى" أن الحكومة الحالية قادرة على تنفيذ فقرات البرنامج الوزاري بشرط أن يتحلى رئيس الوزراء علي الزيدي بالشجاعة، ويواجه من يخفق في تحقيق هذا البرنامج"، وتابع" المنهاج الوزاري سيمضي قدماً عندما يكون الفريق الحكومي هو فريق رئيس الوزراء وليس فريق الأحزاب".
في الأثناء، وضعت الولايات المتحدة" فيتو" على مشاركة ستة فصائل مسلحة تمتلك أجنحة سياسية في الحكومة المقبلة، وبحسب مصادر صحافية، الموقف الأميركي وصل عبر رسالة إلى مجموعة من قادة" الإطار التنسيقي" من دون الكشف عن أسماء الفصائل المعنية.
وبعد منح البرلمان الثقة لحكومة علي الزيدي، أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية في تصريحات صحافية أن" العراق لديه خيار يتعين عليه اتخاذه في ما يتعلق بمشاركة الفصائل المسلحة"، مشدداً على ضرورة" ألا يكون للميليشيات الإرهابية التابعة لإيران أي دور في مؤسسات الدولة، ولا أن تستخدم أموال الحكومة العراقية لدعمها".
وأوضح رئيس حزب أمارجي الليبرالي أن" الحكومة الحالية لن تمنح وقتاً طويلاً قبل أن تضع تحت مجهر التقييم، وسنرى أن الأشهر الستة المقبلة ستكون حداً أقصى ممنوحاً لهذه الحكومة، وبعدها سيكون التقييم قاسياً، داخلياً وخارجياً، لا سيما من قبل الإدارة الأميركية"، ورأى محبوبة" أن هذه الحكومة ولدت بطريقة هجينة وغريبة، ومعها التزامات وتعهدات وسقف زمني محدد، وسيعتمد مصيرها على قدرتها بالإيفاء بتعهداتها".
وسط هذه الأجواء، يتفق مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر مع فكرة وضع حكومة الزيدي تحت المجهر الأميركي، موضحاً أن" الحكومة الحالية استأثرت بها شخصيات ضعيفة جداً على مختلف المستويات، وليست لديها استقلالية القرار، ولا تمتلك تجربة واسعة، وتغيب عنها الاختصاصات التي تتلاءم مع عمل الوزارات، فضلاً عن شبهات فساد تطول البعض، وهذه نتيجة طبيعية لفكرة محاصصة الوزارات".
واتفقت الولايات المتحدة مع الزيدي على تحقيق مجموعة خطوات مهمة تضمنها المنهاج الوزاري لا بد أن تتحقق سريعاً.
وختم حيدر، " وحكومة الزيدي ستكون تحت المجهر من قبل الولايات المتحدة ودول الجوار، ولن يطول صبر واشنطن قبل أن تتأكد أن الزيدي حقق أو لم يحقق ما تم الاتفاق عليه.
لا أظن أن الولايات المتحدة ستتعامل مع حكومة الزيدي كما تعاملت مع حكومة السوداني (محمد شياع السوداني) التي منحتها كثيراً من الفرص، وقد أصدرت السفارة الأميركية لدى بغداد بياناً أوضحت فيه أن حكومة السوداني قد أخفقت في الإيفاء بالتزاماتها، وهذه الفرص لن تتحقق مع حكومة الزيدي، فالولايات المتحدة تريد أن تحقق مبدأ استعادة العراق بسرعة".
تطرح فكرة أن حكومة الزيدي لا يمكن لها أن تستمر طويلاً، وهي تواجه تحديات سياسية واقتصادية، فلن تتمكن من تنفيذ برنامجها الوزاري وستصطدم بعقبات تنهي وجودها السياسي.
في السياق استبعد الباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي" فكرة عدم استمرار حكومة الزيدي"، موضحاً أن هذه الفكرة لازمت غالبية الحكومات المتعاقبة، ورأى أن استمرار الحكومة مشروط بقدرتها على تجاوز الأزمات والتحديات الراهنة.
من ناحيته، لفت أستاذ الفكر السياسي في كلية العلوم السياسية في" جامعة بغداد" إياد العنبر إلى أن فكرة عدم استمرار حكومة الزيدي تتماهى مع ما حصل مع حكومة عادل عبدالمهدي باعتبار" أن هناك تشابهاً بطريقة الاختيار، وأيضاً بطريقة تشكيل الحكومة"، وقال إن هناك متغيرات يمكن" أن تطرأ على احتمال زعزعة استقرار الحكومة وعدم استمرارها، لا سيما التدخلات الخارجية وتأثير النخب الخاسرة من تشكيل هذه الحكومة، وهو احتمال بدأ يتقدم جداً بعد الشروط الأميركية بعدم مشاركة الفصائل المسلحة في العراق داخل الإطار التنسيقي في هذه الحكومة".
أضاف العنبر" هاك دعم أميركي ربما، وهو الأقوى، يعمل على دعم الحكومة والمحافظة عليها، والمتغير الاقتصادي هو الكفة التي من الممكن أن تعصف بالحكومة التي قد تخفق في معالجة الأزمات وتوفير الخدمات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك