كشفت زيارة أدتها رئيسة تنزانيا سامية صولو حسن إلى روسيا بهدف تعزيز العلاقات بين موسكو ودار السلام عن توجه جديد يتبناه القادة الأفارقة الساعون إلى التخلص من الضغوط الغربية من خلال التقارب مع الكرملين.
جاءت زيارة حسن بعد أيام من فرض الولايات المتحدة الأميركية عقوبات ضد مسؤول أمني بارز في تنزانيا بتهمة ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وتلويح بمراجعة العلاقات بسبب القمع الذي جاء في أعقاب إعادة انتخاب حسن قبل أشهر.
وهذه الزيارة هي الأولى من نوعها لرئيس تنزاني إلى روسيا منذ آخر زيارة قام بها الرئيس جولويوس نيريري إلى الاتحاد السوفياتي عام 1969 مما أثار جدلاً حول دلالاتها وعلاقتها بالضغوط التي تمارسها القوى الغربية ضد دار السلام بسبب واقع حقوق الإنسان والتعددية السياسية في البلاد.
وتنزانيا ليست الدولة الأفريقية الوحيدة التي تلجأ إلى روسيا من أجل الهرب من الضغوط الغربية المرتبطة بمسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ أبرمت مدغشقر التي يحكمها مجلس عسكري منبثق من انقلاب أخيراً صفقات في قطاع الطاقة النووية مع روسيا.
في المقابل، استعانت دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي دول تعرف علاقتها بالقوى الغربية اضطرابات كبيرة جراء الانقلابات العسكرية التي عرفتها، بدعم أمني وعسكري من روسيا في تحد للعواصم الغربية التي فرضت سلسلة من العقوبات ضد القادة الأفارقة الذين قادوا موجة الانقلابات.
وعد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان أن" الأنظمة التي تذهب أبعد في توثيق علاقتها مع روسيا غالباً ما تكون أنظمة تعاني أزمة شرعية داخلية مزمنة سواء كانت أنظمة منبثقة عن انقلابات عسكرية، أو عن تمديد حكم مثل السلطات في تنزانيا، أو قمع معارضات وتبحث دائماً عن مظلة دولية بديلة تحميها من الضغوط الغربية التي تتمثل في عقوبات اقتصادية أو مذكرات إدانة أو استثمارات مشروطة"، وتابع ألبان" بذلك تصبح الديمقراطية ورقة داخلية وخارجية، أي إن الغرب يضغط على نظام مأزوم أصلاً ويستثمر هذا النظام، بدوره في ذلك من خلال الورقة الروسية لشراء الوقت"، ولفت إلى أنه" في المقابل، تعرض موسكو على العواصم الأفريقية خليطاً من الدعم العسكري والأمني بشروط سياسية أقل، مع دعم الدول الأفريقية المعنية في الهيئات الدولية مثل مجلس الأمن من خلال منع إدانة هذه الأنظمة على رغم أن حجم التبادل التجاري والاستثمارات الروسيين في القارة يظل بسيطاً مقارنة بقوى أخرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مما يعني أن روسيا لا تستطيع في البعد الاقتصادي أن تحل محل الغرب"، وتابع" لذلك روسيا تشكل ملاذاً للمناورة لدى بعض الأنظمة الأفريقية، ولا يمكن أن تكون بديلاً لفك الارتباط مع القوى الغربية".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)واضطرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تعليق المساعدات التي تقدمها إلى دول شهدت انقلابات عسكرية مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وكذلك فرض عقوبات على مسؤولين شاركوا في تلك الانقلابات مما سرع بتوتر دبلوماسي بين هذه الأطراف.
وتقول الدول الأفريقية، في المقابل، إنها تبحث عن" شراكات متكافئة" اقتصادياً وأمنياً بعيداً من ربط التعاون بينها وبين قوى أجنبية بشروط سياسية أو حقوقية.
واعتبر المحلل السياسي النيجري محمد أوال أن هناك موجة عداء متنامية شعبياً وسياسياً للنفوذ الغربي في أفريقيا" وهي موجة جاءت في خضم إخفاقات أمنية وعسكرية لا يمكن تجاهلها في مناطق مثل الساحل الأفريقي"، وأوضح أوال في تصريح خاص أنه" على رغم إطلاقها كثيراً من العمليات العسكرية على غرار برخان، فشلت فرنسا في تمكين دول الساحل من استعادة أمنها مما أدى إلى تدهور غير مسبوق في العلاقات بينهما، لكن هل الحل يكمن في التقارب مع روسيا؟ "، واستطرد قائلاً" لا أعتقد لأن كلفة القوات الروسية المالية والعسكرية باهظة للغاية من دون أن تتمكن دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو من تحقيق نتائج ملموسة في مواجهة الجماعات المسلحة".
ويثير تلويح الدول الأفريقية التي تواجه ضغوطاً من الغرب بسبب ملف الديمقراطية باللجوء إلى إقامة تحالف مع روسيا، مخاوف من حدوث ما يشبه التبعية إلى موسكو التي تبحث عن ترسيخ نفوذها أكثر فأكثر في القارة السمراء التي تئن تحت فوضى أمنية وأزمات اقتصادية وسياسية.
وقال ألبان إن" الارتباط بروسيا عادة ما يقترن بمقاربة أمنية صلبة في إدارة الصراع السياسي والتمردات المسلحة وإضعاف الحوافز المرتبطة بالإصلاحات الانتخابية والمؤسسية التي رافقت المساعدات الغربية خلال العقدين الماضيين، لذا أعتقد أن العقود الروسية في مجالات مثل الطاقة والتعدين تمنح الدول مكاسب سريعة لكنها تظل انتقائية وتتمحور حول قطاعات استراتيجية لا تولي التنويع اقتصادياً"، ولفت إلى أنه" بما أن قدرة روسيا التنموية محدودة عادة ما تظل هذه المشاريع أقل حجماً مقارنة باستثمارات الصين والقوى الغربية، ودبلوماسياً يكسب القادة الأفارقة قدرة أكبر على التلويح بالاصطفاف في المحافل الدولية مما يسمح لهم بالتفاوض مع الغرب من موقف أقل تبعية والحصول على تنازلات في ملف العقوبات وشروط التمويل"، وخلص إلى أنه" في المقابل، اعتماد القادة الأفارقة على طرف واحد داخل مجلس الأمن الدولي مثل روسيا يخلق نمطاً جديداً من الارتهان السياسي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك