في أغسطس (آب) 2020، أرسلت تركيا السفينة" أوروتش ريس" لبدء عمليات مسح زلزالي شرق المتوسط تمهيداً للتنقيب عن الغاز في منطقة تقع داخل الجرف القاري لليونان، وهو ما أثار توتراً واسعاً حينها، وتراجعت أنقرة بعد تحذيرات أوروبية صارمة بفرض عقوبات وتحركات أميركية لدعم قبرص واليونان، ونشر فرنسا مقاتلات من طراز رافال وفرقاطة في شرق المتوسط.
فمع اكتشافات الطاقة الهائلة شرق المتوسط، تأججت طموحات تركيا في النيل بحصة، خصوصاً بعد تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يجمع مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وفلسطين والأردن وفرنسا وإيطاليا، بهدف إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الدول الأعضاء، من خلال تأمين العرض والطلب وتنمية الموارد وتعزيز التعاون.
وخلال السنوات الماضية، أثار السلوك التركي في المنطقة توترات كبيرة تراجعت مع محاولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كسر عزلة سياسية كان يعيشها نظامه جراء سياسات أغضبت جيرانه، وكادت أن تؤدي لمواجهات عسكرية في بعض الحالات.
غير أن الهدوء الاستراتيجي لم يكن يعني تخلي أردوغان عما يسميه" عقيدة الوطن الأزرق"، ففي تطور جديد يعمل حزب العدالة والتنمية الحاكم على إعداد تشريع من شأنه أن يتيح للرئيس إعلان منطقة اقتصادية خالصة تمتد حتى 200 ميل بحري انطلاقاً من السواحل التركية.
ومن شأن مشروع القانون أن يمنح أردوغان صلاحية تأكيد الحقوق التركية في مجالات الصيد والتعدين والتنقيب وإقامة المتنزهات البحرية، بما في ذلك في المناطق المتنازع عليها في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط، حيث تتداخل المطالبات مع كل من اليونان وقبرص العضوين في الاتحاد الأوروبي.
ويهدف التشريع التركي المقترح إلى إضفاء الطابع الرسمي على مساعي أنقرة إلى تعديل الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، عبر مطالبات بالمناطق البحرية المتنازع عليها، مما يزيد احتمالات نشوب نزاع جديد في منطقة تعج بالصراعات.
ووفق مصادر تحدثت لشبكة" بلومبرغ" الأميركية الأسبوع الماضي، فإن الخطوة تهدف إلى مواجهة المواقف اليونانية والقبرصية في شرق المتوسط الغني بالموارد، مع توجيه رسالة مفادها بأن تركيا" لا يمكن تهميشها" في النزاعات الإقليمية المتعلقة بالطاقة.
ينظم اتفاق الأمم المتحدة لقانون أعالي البحار لعام 1982 (UNCLOS) الحقوق البحرية، من خلال تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة للدول على أنها تمتد 200 ميل من شواطئها، في حين تتطلب المطالبات المتداخلة اتفاقات ثنائية، مثلما هو في قائم شرق المتوسط، وهو ما عملت به مصر وقبرص واليونان عبر التوقيع على الاتفاق الأممي، وعقد اتفاقات ترسيم حدود بحرية ثنائية في ما بينهم، إذ ترتبط القاهرة ونيقوسيا باتفاق منذ عام 2003، فيما وقعت القاهرة وأثنيا اتفاقاً في 2020.
إلا أن تركيا لم تصادق على الاتفاق الدولي، وهو ما أشار إليه مراقبون اعتبروا أن أنقرة تستند إلى مبادئ قانونية بحرية لم تعتمدها رسمياً.
ومن جهة، ترفض أنقرة الموقف اليوناني القائل إن الحدود البحرية تحدد انطلاقاً من الجزر اليونانية، وبعضها يقع بالقرب من الساحل التركي، وتؤكد بدلاً من ذلك أن حقوق الجرف القاري يجب أن تستند إلى الأراضي الرئيسة للدول.
ومن جانب آخر، تنفي أحقية الدول الجزرية، مثل قبرص، بالتمتع بحقوق بحرية إلا ضمن مياهها الإقليمية، التي يمكن أن تمتد حتى 12 ميلاً بحرياً فقط.
كذلك يطالب شمال قبرص الخاضع للاحتلال التركي، الذي لا تعترف به سوى أنقرة، بحقوق في موارد الطاقة المحتملة قبالة السواحل.
وفي وقت يحتاج فيه شرق المتوسط إلى خفض التصعيد والتنسيق في مجال الطاقة والتعاون الأمني، تبدو أنقرة مصممة على إشعال أزمة جديدة.
ففي حديثه لـ" اندبندنت عربية"، قال رئيس لجنة القانون الدولي لدى الأمم المتحدة وكبير المفاوضين السابق في المسألة القبرصية أندرياس مافرويانيس، إن" ما تقوم به تركيا من محاولة فرض توجهها بالقوة يثير القلق ويزيد التوتر في شرق البحر المتوسط، وقد يؤدي إلى أزمة كبرى.
لذا نتوقع من أوروبا والولايات المتحدة وجميع الأطراف المهمة الدعوة إلى احترام القانون الدولي، وحرية الملاحة، واحترام سيادة الدول وحقوقها السيادية".
وأضاف مافرويانيس، " لقد شهدنا بالفعل محاولة من تركيا لتجاهل القواعد من خلال مذكرة التفاهم مع ليبيا قبل سبع سنوات.
لكن مثل هذه الخطوات تعد لاغية وباطلة بموجب القانون الدولي، ولا يمكن أن تنشئ أي حقوق قابلة للاحتجاج بها أمام الدول الأخرى.
وبالتالي، نتفق جميعاً على أن كل هذه الإجراءات غير قانونية، ولن تنتج آثاراً قانونية ولن يجري الاعتراف بها، وفي النهاية يجب إلغاؤها أو تعديلها لتتوافق مع القانون الدولي".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويقول أستاذ دراسات الأمن القومي بجامعة قوات مشاة البحرية الأميركية سينان جيدي، إن خطر التصعيد الحالي أكبر مما كان عليه في السابق.
فعلى خلاف الحوادث السابقة، تسعى تركيا الآن إلى إضفاء الطابع المؤسسي على هذه المطالبات عبر تشريع برلماني.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يقلل من هامش المناورة لدى أردوغان للتوصل إلى تسويات، ويجعل المواجهة جزءاً من سياسة الدولة.
وبمجرد تقنين هذه المطالبات، يصبح التراجع عنها مكلفاً سياسياً داخلياً وصعباً استراتيجياً دولياً.
علاوة على ذلك، يقول جيدي إن تحركات أنقرة لا تقتصر على الحدود البحرية، بل تشكل جزءاً من أجندة سياسة خارجية توسعية انتهجتها تركيا في مناطق عدة خلال العقد الماضي، فأصبح خطر المواجهة العرضية أو المتعمدة بين اليونان وتركيا مصدر قلق حقيقي، إذ يحتفظ البلدان بقوات عسكرية كبيرة على مقربة من بعضهما عبر بحر إيجه، وتحدث باستمرار انتهاكات للمجال الجوي وحوادث ملاحقة بحرية ومناورات عسكرية متنافسة، وقد يؤدي تصادم أو سوء تقدير أو تصعيد سياسي متعمد إلى أزمة أكبر تشمل" الناتو" والاتحاد الأوروبي.
وتعد قبرص نقطة اشتعال خطرة، فتركيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بما يسمى" جمهورية شمال قبرص التركية"، وتحتفظ بعشرات الآلاف من الجنود في الجزيرة منذ غزوها عام 1974.
كما ربطت أنقرة بصورة متزايدة النزاعات البحرية بأنشطة التنقيب عن الطاقة التي تقوم بها قبرص، مهددة الشركات والدول المتعاونة مع جمهورية قبرص المعترف بها دولياً.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وقع الرئيس التركي اتفاقاً مع حليفه في ليبيا فائز السراج، رئيس الحكومة التي تسيطر على العاصمة طرابلس آنذاك، يقيم بموجبه ممراً بحرياً في شرق البحر المتوسط بين البلدين، يمنح تركيا السيطرة ليس على المياه الليبية فحسب، لكن يسمح لها بالاستيلاء على مياه تقع ضمن سيادة اليونان، وفي أقصى حالاته، تجاهل الاتفاق وجود جزيرة كريت اليونانية.
وقد دان الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة الاتفاق، واعتبروه مشكوكاً في شرعيته ومزعزعاً للاستقرار.
يأتي التشريع الجديد ضمن عقيدة" الوطن الأزرق" (مافي فاتان)، التي تتبناها أنقرة منذ فترة طويلة ضمن القانون التركي، مما يرسخ مطالبات واسعة تتداخل مع المناطق الاقتصادية الخالصة التي تطالب بها اليونان وقبرص.
وأعلن عما يعرف بالوطن الأزرق (مافي فاتان)، للمرة الأولى عام 2006، من أدميرال البحرية التركي جيم جوردنيز.
وتشير التسمية إلى المساعي القومية التركية نحو التوسع والسيطرة على البحار الثلاثة، التي تحيط بتركيا من الشمال حيث البحر الأسود والغرب والجنوب حيث بحرا إيجة والمتوسط، التي أشار إليها الرئيس التركي، خلال خطابه في عيد الجمهورية أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بكلمة" بحارنا"، قائلاً" أثناء قيامنا بواجباتنا، نحن فخورون بأن نرفع رايتنا التركية المجيدة في جميع بحارنا.
أقر بأننا على استعداد لحماية كل مساحة من وطننا الأزرق البالغ مساحته 462 ألف متر مربع بتصميم كبير، والقيام بكل واجب ممكن قد يأتي".
ووفق جيدي، فإن عقيدة" الوطن الأزرق" تعكس تفسيراً متشدداً للحدود البحرية التركية يتعارض مع الحدود البحرية المعترف بها في شرق المتوسط، وعبر القنوات التلفزيونية والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، تروج شخصيات تتراوح بين كبار العسكريين والنخب الحكومية والمحللين لخرائط" الوطن الأزرق"، مما يدفع كثيراً من الأتراك إلى الاعتقاد بأن هذا التفسير التوسعي للحدود البحرية التركية هو أمر حقيقي ومعترف به دولياً.
فعلى رغم أن المبادرة التشريعية الجديدة لأنقرة قد تبدو في البداية تقنية أو بيروقراطية، فإنها تمثل تصعيداً مدروساً ومتعمداً من الرئيس أردوغان.
ويهدف هذا التحرك إلى تحدي النظام الإقليمي في شرق المتوسط، وممارسة الضغط على الدول المجاورة، وترسيخ مكانة تركيا كقوة بحرية مهيمنة بين أوروبا والشرق الأوسط.
كما يثير الإطار الأيديولوجي الذي تقوم عليه العقيدة البحرية التركية القلق، فبحسب جيدي فإن مفهوم" الوطن الأزرق" ليس مجرد استراتيجية بحرية دفاعية، بل يعكس رؤية قومية وتوسعية ذات طابع" عثماني جديد" يروج لها أردوغان وقطاعات من المؤسسة العسكرية والسياسية التركية.
وتتصور هذه العقيدة تركيا كقوة إقليمية مهيمنة لها الحق في بسط نفوذها عبر مساحات بحرية واسعة تمتد من البحر الأسود إلى شرق المتوسط، وهذا الطموح يضع أنقرة في مسار تصادمي ليس فقط مع اليونان وقبرص، بل أيضاً مع قوى إقليمية أخرى.
إضافة إلى الأهداف الاقتصادية والجيوسياسية المعلنة لهذه العقيدة، يرى المعهد الدولي للهجرة وأبحاث الأمن (مركز أبحاث أوروبي في بلغاريا)، أن الهدف الخفي لتركيا هو إلغاء آثار معاهدة لوزان، التي فرضت على الأتراك العثمانيين عام 1923، بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية العثمانية.
وضع مبدأ" الوطن الأزرق" أهدافاً للسيطرة التركية ترتكز على جانبين، يتعلق الأول بمصادر الطاقة، وهي البحار الثلاثة التي تحيط بتركيا، البحر المتوسط، وبحر إيجة، والبحر الأسود، بينما الجانب الثاني استراتيجي، ويشمل البحر الأحمر، وبحر قزوين، وبحر العرب بما في ذلك الخليج العربي.
ويشير المركز الأوروبي إلى أن الهيمنة التركية وتنفيذ مبدأ" الوطن الأزرق" تعتمد على الهيمنة البحرية التركية في هذه المناطق، بما في ذلك السيطرة على مكامن النفط والغاز.
وينفي كبير مستشاري الرئيس التركي تشاغري إرهان أن مشروع القانون يمثل تصعيداً جديداً ضد اليونان، مشدداً على أن موقف تركيا في شأن حد المياه الإقليمية في بحر إيجه عند ستة أميال بحرية لم يتغير.
كما أعاد التأكيد أن قرار البرلمان التركي الصادر عام 1995 لا يزال سارياً، بما في ذلك التهديد القائم باعتبار أي توسيع يتجاوز ستة أميال بحرية سبباً للحرب.
وفي ظل التقارير المتداولة خلال الأيام الماضية، علق وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس الخميس الماضي، خلال قمة التحول في الطاقة التي نظمتها صحيفتا" فايننشال تايمز" و" كاثيميريني"، مؤكداً أن أية خطوة أحادية الجانب تهدف إلى فرض نيات دولة ما ستبقى" محكومة بالفشل".
وفي الوقت نفسه، أفادت صحف يونانية بأن أثينا نقلت مخاوفها بوضوح إلى أنقرة، معتبرة أن مثل هذه التحركات لا تسهم في الحفاظ على أجواء" المياه الهادئة" في العلاقات الثنائية.
ودعت الولايات المتحدة كلاً من اليونان وتركيا إلى مواصلة الحوار في شأن النزاعات المتعلقة بالتنقيب عن النفط والغاز، فيما سبق للاتحاد الأوروبي أن هدد تركيا بفرض عقوبات بسبب أنشطة الحفر في المياه المتنازع عليها، عقب ضغوط من اليونان وقبرص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك