من معيتيقة إلى لاهاي.
ماذا تعني قضية الهيشري لضحايا ليبيا؟على مدى أكثر من عقد، تصرف كثير من مرتكبي الانتهاكات في ليبيا وكأن المحاسبة لا تعنيهم أصلا.
ففي بلد يمزقه الانقسام، وتسيطر عليه الجماعات المسلحة، وتتعطل فيه مؤسسات العدالة، تحول الإفلات من العقاب من أزمة مؤقتة إلى جزء طبيعي من المشهد، حتى بدا مثول أي متهم ليبي أمام المحكمة الجنائية الدولية أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع.
لهذا تتجاوز جلسات اعتماد التهم المرتقبة في قضية القيادي السابق في قوة الردع الخاصة، وأحد جلادي سجن معيتيقة، خالد محمد علي الهيشري، أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، والمقررة في 19 مايو/أيار، البعد القانوني والإجرائي.
فالقضية لا تتعلق فقط بمحاكمة متهم بارتكاب جرائم دولية خطيرة، بل بما تمثله بالنسبة للضحايا والناجين وذويهم، ولليبيين الذين شاهدوا لسنوات كيف تتحول الجرائم والانتهاكات إلى أخبار عابرة على شاشات القنوات دون أي محاسبة حقيقية.
وللمرة الأولى منذ إحالة الملف الليبي إلى المحكمة عام 2011 بقرار من مجلس الأمن، يمثل متهم ليبي أمام القضاء الدولي.
ولهذا تحمل هذه اللحظة معنى يتجاوز الهيشري نفسه، خصوصا بالنسبة للمجتمعات المتضررة من الانتهاكات الجسيمة في ليبيا، التي ظلت لسنوات ترى العدالة مؤجلة، أو بعيدة إلى حد الاستحالة.
اعتقال الهيشري في ألمانيا وتسليمه أظهر أن المحاسبة ممكنة عندما يوجد تعاون حقيقي مع المحكمة، ووجه رسالة واضحة إلى بقية مرتكبي الانتهاكات بأن الإفلات من العدالة الدولية لم يعد مضمونا كما كانترتبط قضية الهيشري مباشرة بالسياق الأوسع للانتهاكات الجسيمة داخل السجون ومراكز الاحتجاز في ليبيا، وعلى رأسها سجن معيتيقة، الذي لم يعد بالنسبة لكثير من الليبيين مجرد مكان احتجاز، بل تحول إلى رمز للتعذيب والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري وغياب أي محاسبة حقيقية.
وعلى مدى سنوات، واصل الضحايا والناجون وعائلاتهم، إلى جانب المدافعين والمنظمات الحقوقية، توثيق ما جرى وكشفه رغم التهديدات والمخاطر، والإصرار على أن هذه الجرائم لا يجب أن تضيع وسط التسويات السياسية وصفقات تقاسم النفوذ.
كثير من الضحايا والناجين يخبروننا اليوم أن هذه الجلسة تمثل اعترافا متأخرا بما تعرضوا له؛ اعترافا بأن ما حدث، وما يزال يحدث، لم يكن مجرد حوادث معزولة أو قضايا فردية يمكن تجاهلها، وأن سنوات التوثيق والمطالبة بالحقيقة لم تذهب بالكامل سدى.
لكن السؤال الحقيقي بالنسبة للضحايا اليوم ليس فقط: هل سينال الهيشري العقوبة التي يستحقها؟ بل: هل ستكون هذه القضية بداية لمسار أوسع من المحاسبة، أم مجرد استثناء داخل مشهد واسع من الإفلات من العقاب؟فقضية الهيشري ليست مجرد محاكمة فرد، بل اختبار حقيقي لما إذا كانت العدالة الدولية ما تزال قادرة على إعادة شيء من الثقة للضحايا في ليبيا، وترميم أملهم في الإنصاف الذي كاد يتلاشى بالكامل في ظل انعدام أي سبل أخرى للعدالة داخل البلاد.
اعتقال الهيشري في ألمانيا وتسليمه أظهر أن المحاسبة ممكنة عندما يوجد تعاون حقيقي مع المحكمة، ووجه رسالة واضحة إلى بقية مرتكبي الانتهاكات بأن الإفلات من العدالة الدولية لم يعد مضمونا كما كان.
وحتى داخل ليبيا، بدا واضحا أن القضية خلقت حالة من القلق لدى السلطات سواء في الشرق أو الغرب، وارتباكا داخل الجماعات المسلحة وقادتها.
وفجأة بدأت بعض الأطراف تتحدث عن" تحقيقات داخلية" وعن محاسبة محدودة لبعض العناصر، ليس نتيجة تحول حقيقي في موقفها من العدالة، بل لأن رؤية أحد المتهمين الليبيين جالسا في قفص الاتهام في لاهاي كانت كافية لتذكير الجميع بأن الحصانة القديمة لم تعد مضمونة.
الضحايا لا يريدون محاكمة أفراد معزولين، بل الوصول إلى من أمروا وسهلوا وغطوا هذه الجرائم لسنوات.
فبدون الوصول إلى المسؤولين الأعلى، ستبدو العدالة انتقائية وناقصة مهما كانت أهمية القضيةورغم محدودية هذه الخطوات، فإنها تكشف جزءا من الأثر الردعي الذي يمكن أن تصنعه العدالة الدولية، حتى قبل صدور أي حكم.
ومع ذلك، تبقى الثقة في العدالة هشة للغاية.
فالضحايا شاهدوا لسنوات كيف تعطلت التحقيقات، وكيف جمدت قضايا أخرى بسبب الحسابات السياسية، ما أفقد كثيرين منهم أي إيمان بالقضاء الليبي، الذي ما يزال منقسما وعاجزا عن التعامل بجدية مع الجرائم الدولية، بينما تعثرت محاولات العدالة الانتقالية قبل أن تترك أي أثر فعلي.
لهذا أصبحت العدالة الدولية بالنسبة لكثير من الضحايا الخيار الأخير والمتبقي.
وهذا ما يجعل توقعاتهم من قضية الهيشري مرتفعة إلى هذا الحد.
فأي فشل أو تأخير أو انطباع بانتقائية العدالة لن ينعكس فقط على هذه القضية، بل على إيمان الضحايا بإمكانية تحقيق العدالة أصلا.
وإذا تعثرت القضية، فستفهم الرسالة سريعا: حتى لاهاي ليست نهاية الطريق.
المسألة لا تتعلق فقط بعقد الجلسات أو استكمال الإجراءات، بل بما إذا كانت هذه القضية ستفتح فعلا بابا أوسع للمحاسبة في ليبيا.
فالضحايا لا يريدون محاكمة أفراد معزولين، بل الوصول إلى من أمروا وسهلوا وغطوا وحموا هذه الجرائم لسنوات.
فبدون الوصول إلى المسؤولين الأعلى، ستبدو العدالة انتقائية وناقصة مهما كانت أهمية القضية.
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى قضية الهيشري باعتبارها نهاية لمسار العدالة في معيتيقة، بل بداية اختبار لما إذا كانت المحاسبة ما تزال ممكنة أصلا.
فخلف الهيشري يقف 14 مطلوبا آخر للمحكمة، وما يزال معظمهم بعيدين عن أي مساءلة حقيقية.
وإذا تحولت القضية إلى استثناء معزول داخل مشهد واسع من الإفلات من العقاب، فلن تخسر المحكمة ثقة الضحايا فقط، بل قد تخسر آخر ما تبقى من الإيمان بإمكانية العدالة في ليبيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك