يمكن لمهرجان كان السينمائي أن يتحول أحياناً إلى ما يشبه “المبرّد العالمي للأفلام”، حيث تظهر القضايا والهواجس المسيطرة على صناعة السينما إلى السطح.
هذا العام، كان الموضوع الأبرز هو الذكاء الاصطناعي.
وقد يُسجَّل مهرجان كان التاسع والسبعون بوصفه الدورة التي بدأ فيها أهم مهرجان سينمائي في العالم بمواجهة صعود الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر، بعدما بدا حضوره أشبه بـ“تسونامي” اجتاح الريفييرا الفرنسية.
ومنذ افتتاح المهرجان، استمر الجدل حول قدرته على إعادة تشكيل صناعة السينما، سواء للأفضل أو للأسوأ.
وفي العديد من الأوساط، بدأ الخطاب تجاه الذكاء الاصطناعي يصبح أقل حدة.
وقال سكوت مان، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة «فلاولِس» المتخصصة في برامج الذكاء الاصطناعي المساعدة في مرحلة ما بعد الإنتاج: “الأجواء في كان وفي الصناعة عموماً توحي بأننا أمام نقطة تحول حقيقية”.
حضور متزايد للذكاء الاصطناعي داخل المهرجانالذكاء الاصطناعي حاضر بقوة داخل الشاشات وخارجها.
فللمرة الأولى، عقد مهرجان كان شراكة متعددة السنوات مع شركة Meta، التي أنشأت مقراً لها في فندق «ماجيستيك».
كما استُخدمت أدواتها للذكاء الاصطناعي في المساعدة على إنتاج أحد أفلام المهرجان، وهو فيلم ستيفن سودربيرغ «ويتناول الفيلم الوثائقي مقابلة طويلة وعميقة أجراها جون لينون ويوكو أونو يوم مقتل لينون عام 1980.
ولإضافة صور تتماشى مع حديث لينون، استخدم سودربيرغ برامج الذكاء الاصطناعي التابعة لـ«ميتا» لإنشاء رسوم بصرية سريالية.
وقد أثار هذا القرار موجة انتقادات واسعة من معظم النقاد في كان، إلا أن سودربيرغ، المعروف بتجربته المستمرة في الابتكار وتصويره أفلاماً باستخدام هواتف «آيفون»، يرى أن الوقت قد حان لمثل هذه التجارب.
وقال في مقابلة: “لم نشاهد بعد شخصاً يمتلك مصداقية إبداعية كاملة يذهب إلى أقصى حدود الذكاء الاصطناعي ويرى كيف سيكون رد فعل الناس.
أعتقد أن ذلك ضروري.
كيف يمكن معرفة أين يقع الخط الفاصل قبل أن يتجاوزه أحد؟ لا أعتقد أن ما أفعله يتجاوزه، لكن ربما يختلف البعض معي.
أنا نفسي لا أعرف بعد أين يقع خطي الشخصي”.
انقسام داخل الوسط السينمائيالجميع في كان بات يعبّر عن موقفه من الذكاء الاصطناعي، سواء معه أو ضده.
في يوم الافتتاح، قالت الممثلة ديمي مور، وهي عضو في لجنة التحكيم، إن “محاربة الذكاء الاصطناعي معركة سنخسرها”.
وفي اليوم التالي، قال المخرج بيتر جاكسون، الحائز على السعفة الذهبية الفخرية: “أنا لا أكرهه إطلاقاً.
بالنسبة لي هو مجرد مؤثر بصري، ولا يختلف عن أي مؤثرات خاصة أخرى”.
أما المخرج جيمس غراي، الذي كان فيلمه العائلي «بيبر تايغر» من أبرز أفلام عطلة نهاية الأسبوع، فقال إنه غير قلق من الأمر.
وأضاف في مقابلة: “في بعض الحالات، يمكن أن يكون أداة مفيدة جداً.
لا أعتقد أنه خلال حياتنا أو حتى حياة أطفالنا سيقترب من تقليد الشيء اللانهائي الحقيقي الوحيد الذي نعرفه، وهو الروح الإنسانية”.
وتابع: “أعتقد أن على معظم الشباب دراسة العلوم الإنسانية.
يجب على الناس قراءة تولستوي في أوقات فراغهم لفهم الروح البشرية”.
من الأوسكار إلى كان… المشهد يتغيرويأتي مهرجان كان هذا العام في وقت يشهد تطورات كبيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل هوليوود.
ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة قواعد جديدة تنص على أن الترشيحات التمثيلية ستقتصر على الأداءات “التي ينفذها البشر بشكل واضح وبموافقتهم”.
وفي الوقت نفسه، أوضحت الأكاديمية أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي “لا يساعد ولا يضر بفرص الترشح”.
كما توصلت نقابة ممثلي الشاشة واتحاد فناني التلفزيون والإذاعة الأميركيين إلى اتفاق مبدئي مع الاستوديوهات يحدد ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصاً فيما يتعلق بالنسخ الرقمية للممثلين والمؤدين الاصطناعيين.
مخاوف من “ممثلين” اصطناعيينوأثارت بعض التطورات الحديثة قلقاً واسعاً في هوليوود، مثل الكشف عن «تيلي نوروود»، وهي “ممثلة” جرى إنشاؤها بالكامل بالذكاء الاصطناعي، ما أثار غضباً داخل الصناعة.
كما أثار عرض أولي لإعادة إحياء الممثل الراحل فال كيلمر بالذكاء الاصطناعي، في فيلم أُنتج بموافقة عائلته، موجة جديدة من الجدل.
لكن رغم استمرار المخاوف من الاستخدامات المتطرفة للذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن أشكالاً أخرى منه تواصل التوسع داخل الصناعة.
وقال كينت ساندرسون، الرئيس التنفيذي لشركة «بليكر ستريت»، خلال ندوة نقاشية: “سيصبح جزءاً من عملنا.
سيخفض تكاليف الإنتاج، وربما سيكون بإمكانك خلال سنوات قليلة إنتاج فيلم يبدو كأفلام مارفل من داخل قبو منزلك”.
كان: لا حظر على الذكاء الاصطناعي… حالياًورغم أن مهرجان كان يفرض قواعد صارمة على الملابس المسموح بها على السجادة الحمراء، فإنه لا يفرض حتى الآن أي حظر على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأفلام المشاركة.
وقبل انطلاق المهرجان بيوم، رد المدير الفني للمهرجان تييري فريمو بسخرية على سؤال حول الذكاء الاصطناعي، قائلاً إنه سمع أيضاً أن جيمس كاميرون استخدم المؤثرات الخاصة في فيلم «أفاتار».
وأضاف: “ما يمكنني قوله بثقة بشأن الذكاء الاصطناعي هو أننا نقف إلى جانب الفنانين وكتّاب السيناريو والممثلين ومؤدي الأصوات.
نحن نقف مع كل من قد يتضرر عمله بسبب الذكاء الاصطناعي.
هذا الأمر يحتاج إلى تشريعات، ويجب أن نتمكن من السيطرة عليه”.
هل ينقذ الذكاء الاصطناعي صناعة السينما؟أما سكوت مان، المدير التنفيذي لشركة «فلاولِس»، فكان يجلس على شاطئ كان خارج حفلة نظمتها شركته في أحد النوادي الساحلية التي تستضيف حفلات ما بعد العروض السينمائية.
ومنذ عام 2019، تسعى شركته لإثبات أن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه بطريقة مدروسة ومسؤولة.
وقال بشكل قاطع إن “الذكاء الاصطناعي التوليدي غير المرخّص سيئ”.
لكنه أضاف: “ما اكتشفناه هو أن سوء فهم الناس لهذه التقنية جزء من المشكلة.
يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمصطلح شامل، لكنه ليس بهذه البساطة”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك