تتزايد المخاوف داخل الأسواق العالمية من تحول موجة الديون الحكومية المتضخمة إلى أزمة مالية جديدة، في وقت تدفع فيه الحرب في المنطقة وارتفاع أسعار الطاقة الاقتصادات الكبرى إلى مزيد من الاقتراض، وسط اضطرابات متصاعدة في أسواق السندات العالمية وارتفاع كلفة التمويل على الحكومات والشركات والمستهلكين.
وبحسب تقرير تحليل نشرته صحيفة" وول ستريت جورنال" الأميركية، أمس الاثنين، فإن التوترات الأخيرة في أسواق السندات تكشف عن واحدة من أخطر القضايا التي تواجه قادة مجموعة السبع خلال اجتماعاتهم المنعقدة اليوم الثلاثاء في باريس، وهي كيفية إدارة جبل متزايد من الديون العامة تفاقم بفعل الحرب والجائحة وارتفاع الإنفاق العسكري.
وقالت الصحيفة إن موجة بيع السندات العالمية دفعت عوائد الديون الحكومية إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، ما أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض على الحكومات والأفراد والشركات، في ظل صدمة الطاقة الناتجة من الحرب وعودة الضغوط التضخمية إلى الأسواق الدولية.
ويأتي هذا التصعيد بينما تجاوز الدين الفيدرالي الأميركي الذي يحمله المستثمرون والجمهور مستوى 100% من الناتج المحلي الإجمالي للمرة الأولى منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو تطور يعكس الحجم المتزايد لاعتماد واشنطن على الاقتراض لتمويل الإنفاق الحكومي والعسكري.
ورغم هذا المستوى القياسي من الدين، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بما وصفه التحليل بـ" الميزة الأميركية"، التي تمنحها قدرة أكبر على الاقتراض مقارنة بباقي الاقتصادات الكبرى، بسبب الهيمنة العالمية للدولار واعتبار سندات الخزانة الأميركية أكثر الأصول أمانا وسيولة في العالم.
لكن الصحيفة حذرت من أن هذه الأفضلية لا تعني غياب المخاطر، خصوصا مع استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، ما يرفع معدلات التضخم ويزيد احتمالات لجوء البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة مجددا.
وأوضح التحليل أن المحرك الرئيسي لاضطراب أسواق السندات يتمثل في القفزة الكبيرة بأسعار الطاقة الناتجة من الحرب، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة، بعدما كانوا يتوقعون خفضها خلال العام الحالي.
كما ساهمت المخاوف المرتبطة بالأوضاع المالية في اليابان والمملكة المتحدة في تسريع موجة البيع داخل أسواق السندات، مع تزايد القلق من قدرة الحكومات على احتواء مستويات الدين المتصاعدة.
ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، فإن ديون الاقتصادات المتقدمة بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي الجماعي تواصل الارتفاع، مدفوعة بشكل رئيسي بالولايات المتحدة، إلى جانب زيادة الإنفاق العسكري وتكاليف الشيخوخة السكانية في معظم الدول الصناعية.
وكشفت بيانات الصندوق أن نسبة صافي ديون الاقتصادات المتقدمة إلى الناتج المحلي الإجمالي تتجه للصعود من أقل من 50% في عام 2002 إلى ما يقارب 85% بحلول عام 2030، في واحدة من أكبر موجات التوسع في الدين العام منذ الحرب العالمية الثانية.
وأظهرت أن الولايات المتحدة تقود الجزء الأكبر من هذا الارتفاع، بعدما ارتفعت مساهمتها تدريجيا داخل إجمالي ديون الاقتصادات المتقدمة خلال العقدين الماضيين.
وتشير توقعات الصندوق إلى أن ديون الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا ستتجاوز مستوى 110% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، فيما تبقى اليابان صاحبة أعلى نسبة دين بين الاقتصادات المتقدمة بأكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم بدء استقرار المسار التصاعدي للدين الياباني بعد سنوات طويلة من الارتفاع الحاد.
كما تظهر البيانات أن إيطاليا لا تزال ضمن أكثر الاقتصادات تعرضا لضغوط الدين العام، مع مستويات تدور قرب 125% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ارتفعت ديون المملكة المتحدة من أقل من 30% قبل الأزمة المالية العالمية في 2008 إلى ما يقترب حاليا من 95% من الناتج المحلي الإجمالي، وسط تصاعد القلق داخل أسواق السندات البريطانية.
وفي ألمانيا، ارتفع مسار الدين تدريجيا من مستويات تقارب 45% إلى نحو 60% متوقعة بحلول 2030، مدفوعا بزيادة الإنفاق الدفاعي والعسكري بعد الحرب، فيما تُظهر فنلندا وليتوانيا من أسرع معدلات نمو الدين بين دول أوروبا الشمالية والشرقية خلال السنوات الأخيرة.
كما تكشف البيانات لخاصة بأسواق السندات عن اتساع الفجوة بين العوائد طويلة الأجل وقصيرة الأجل في عدد من الاقتصادات الكبرى، وهو ما يعد مؤشرا على ارتفاع علاوات المخاطر وتزايد مخاوف المستثمرين من التضخم والديون.
وسجلت اليابان أعلى علاوة على السندات طويلة الأجل، متجاوزة 2.
5% فوق العوائد القصيرة، تلتها فرنسا بنحو 1.
6%، بينما بلغت الفجوة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قرابة 1%، مع بقاء ألمانيا عند مستويات أقل نسبيا.
وتظهر بيانات السيولة أيضا استمرار الهيمنة الأميركية على سوق الدين العالمية، إذ بلغ حجم التداول السنوي على سندات الخزانة الأميركية نحو 263 تريليون دولار، أي ما يعادل قرابة تسعة أضعاف حجم السوق نفسها، مقارنة بنحو 7.
1 تريليونات يورو فقط للسندات الحكومية الألمانية، أي ما يعادل أربعة أضعاف حجم السوق.
الامتياز الباهظ للسندات الأميركيةوأكدت" وول ستريت جورنال" أن سوق السندات يبقى الحكم النهائي على الصحة المالية للدول، إذ يؤدي فقدان ثقة المستثمرين إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض بصورة سريعة، ما ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي وأسواق المال.
لكن التحليل أشار أيضا إلى أن الأسواق العالمية لا تزال تمنح الولايات المتحدة معاملة استثنائية مقارنة ببقية الدول، بسبب الحجم الضخم والسيولة العالية لسوق سندات الخزانة الأميركية.
فبحسب بيانات رابطة صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية الأميركية، جرى تداول ما قيمته 263 تريليون دولار من سندات الخزانة الأميركية خلال عام 2023، أي ما يعادل نحو تسعة أضعاف حجم السندات القائمة، مقارنة بتداولات أقل بكثير في أسواق السندات الأوروبية واليابانية.
ويعرف هذا الوضع في الأوساط الاقتصادية باسم" الامتياز الباهظ" للولايات المتحدة، أي قدرتها على الاقتراض بأسعار أقل نسبيا رغم تضخم الدين العام، بسبب استمرار الطلب العالمي القوي على الدولار والسندات الأميركية.
ومع ذلك، أظهرت بيانات الأسواق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي ارتفاعا متزامنا في عوائد السندات قصيرة الأجل وطويلة الأجل، مع تحول المستثمرين من توقع خفض الفائدة إلى توقع رفعها مجددا نتيجة صدمة النفط والتضخم.
وفي بريطانيا واليابان تحديدا، اتسعت الفجوة بين عوائد السندات القصيرة والطويلة خلال الأسبوع الماضي، ما يعكس تنامي قلق المستثمرين بشأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلدين.
وقال كبير الاقتصاديين العالميين في شركة" فانغارد"، جو ديفيس، إن التجارب السابقة أثبتت أنه لا توجد عتبة سحرية لمستوى الدين تؤدي تلقائيا إلى انفجار أزمة مالية، موضحا أن الأسواق تتحرك عادة عندما تشهد الدول تغيرات كبيرة في سياسات الإنفاق والضرائب أو تدهورا واضحا في التوقعات الاقتصادية.
وأضاف أن حدوث تمرد حقيقي في سوق السندات ضد الولايات المتحدة يتطلب ظهور شكوك واسعة في المسارين المالي والاقتصادي الأميركيين معا، إلى جانب ظهور سوق سندات بديل قادر على منافسة السوق الأميركية من حيث الحجم والسيولة.
وأشار إلى أن أوروبا الموحدة قد تمثل نظريا هذا البديل مستقبلا، لكنه أكد أن لا يوجد حاليا منافس قريب لسوق الخزانة الأميركية.
وفي السياق، قالت وكالة" رويترز"، اليوم الثلاثاء، إن الأسواق العالمية بدأت تواجه واقعا جديدا وخطيرا يتمثل في احتمال غياب تدخل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لإنقاذ سوق السندات خلال الأزمات، وهو ما قد يدفع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى الارتفاع بصورة أكبر ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
وأوضحت أن المحرك الرئيسي لارتفاع عوائد السندات الأميركية هذا العام هو الحرب في المنطقة وما نجم عنها من صدمة نفطية وتسارع التضخم وعودة التوقعات برفع أسعار الفائدة.
وأشارت إلى أن عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاما ارتفعت بأكثر من 0.
50% منذ بداية الحرب، متجاوزة مستوى 5.
15% للمرة الأولى منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية عام 2007.
لكن رويترز شددت على أن الارتفاع الحالي لا يرتبط فقط بالحرب والتضخم، بل أيضا بوصول كيفن وارش إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، وهو المعروف بمعارضته التاريخية لبرامج شراء السندات والتيسير الكمي التي استخدمها البنك المركزي الأميركي منذ أزمة 2008 لدعم الأسواق وخفض تكاليف الاقتراض.
وذكرت الوكالة بأن الأسواق لم تختبر منذ نحو 18 عاما وضعا تغيب فيه عمليات شراء السندات أو حتى التهديد الضمني بتدخل البنك المركزي خلال الأزمات، وهو ما جعل المستثمرين يعتبرون وجود الفيدرالي بمثابة" شبكة أمان" دائمة لسوق السندات.
وقال وارش، خلال جلسة تثبيته، أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ الأميركي، الشهر الماضي، إنه يريد العمل مع وزارة الخزانة الأميركية لتقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي البالغة 6.
7 تريليونات دولار، والتي تضم كميات ضخمة من سندات الخزانة الأميركية.
وبحسب رويترز، فإن هذا التوجه يعني عمليا أن الفيدرالي قد لا يعود مستعدا لشراء السندات طويلة الأجل حتى في حال وقوع صدمات أو أزمات جديدة، ما يترك السوق أمام تقلبات أكبر وارتفاعات محتملة في العوائد.
ونقلت الوكالة عن محللي بنك باركليز قولهم إن معظم خيارات التدخل التقليدية في سوق السندات باتت خارج الطاولة، خصوصا عمليات الشراء المباشر للسندات، بسبب مواقف وارش السابقة المعارضة للتيسير الكمي.
ويرى المحللون أن عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاما قد ترتفع إلى 5.
5% إذا استمرت الضغوط الحالية، وهو مستوى يعتبر مرتفعا للغاية مقارنة بمتوسطات السنوات الماضية.
كما أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل لا يؤثر فقط على الحكومات، بل ينعكس أيضا على كلفة الاقتراض للشركات والأفراد وأسواق العقارات والاستثمار، ما يزيد مخاطر تباطؤ الاقتصاد العالمي.
وأكدت رويترز أن الأسواق باتت تخشى ما سيحدث في الصدمة المقبلة إذا لم يعد المستثمرون واثقين من تدخل الاحتياطي الفيدرالي لحماية سوق السندات، معتبرة أن مجرد هذا الغموض قد يكون كافيا لدفع المستثمرين للمطالبة بعلاوات مخاطر أعلى ورفع تكاليف الاقتراض عالميا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك