في سياق المحاولات المتزايدة الآيلة إلى تهويد القدس، يواجه سكان حيّ الشيخ جرّاح خطراً جديداً، مع اقتراب تنفيذ مخطّط إسرائيلي، صدقّت عليه ما تُسمّى بـ" لجنة التخطيط اللوائية" التابعة لبلدية الاحتلال، يقضي بإنشاء مدرسة دينية يهودية حريدية كبيرة في قلب الحيّ بين المنازل الفلسطينية، الأمر الذي يوصَف بأنّه خطوة تهويدية تهدّد الوجود الفلسطيني في الحيّ.
ويُنظَر إلى هذا المشروع الاستيطاني في حيّ الشيخ جرّاح بوصفه بوابةً لمشاريع التوسّع التهويدي في القدس المحتلّة، ولا سيّما أنّ سلطات الاحتلال تسعى إلى تشييد مدرسة دينية يهودية حريدية كبيرة تحمل اسم" أور سامياح"، نسبةً إلى كتاب توراتي ألّفه الحاخام مئير سيمحا هاكوهين مطلع القرن الماضي، على أن يقيم في مساكن حرم المدرسة نحو 200 طالب يهودي، في خطوة تهدف إلى تعزيز الهوية الدينية للمستوطنين الشباب، وترسيخ الوجود الاستيطاني في قلب الأحياء الفلسطينية، بما يشكّل حلقة جديدة في مسار تهويد المدينة وطمس معالمها العربية.
ويقول عضو لجنة الدفاع عن حيّ الشيخ جرّاح يعقوب عرفة لـ" العربي الجديد" إنّ الحيّ يمثّل نموذجاً لسياسة التهويد الإسرائيلية، شارحاً أنّه يُقسَم إلى حيّ شرقي يشهد تطوّراً خدمياً وتوسّعاً في الوجود اليهودي، وآخر غربي يُعرَف باسم" كبانية أم هارون" وقد أُصدرت سابقاً قرارات بإخلاء كلّ المنازل العربية فيه، علماً أنّ لا معالم توسّع يهودي فيه.
يضيف عرفة أنّ الاحتلال يسعى إلى شرعنة مخططاته في المنطقة، من بينها مدرسة دينية، إلى جانب استكمال مشروع يشمل إنشاء حيّ استيطاني لليهود في موقع مقرّ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) الواقع في الحيّ.
ويشير عرفة إلى أنّ المخطّط الجديد يأتي بمحاذاة ما يُعرَف بحدود عام 1967، حيث أُنشئ شارع استيطاني ملاصق تماماً للموقع المخصّص لبناء المدرسة الدينية، في إطار ما وصفه بمساعٍ لربط القدس الغربية بالقدس الشرقية وفرض واقع ديمغرافي يجعلها ذات أغلبية يهودية.
ويقطن في الحيّ الغربي من الشيخ جرّاح مئات المقدسيين في 30 منزلاً على أقلّ تقدير، في غياب أيّ مساكن لليهود، على الرغم من استيلاء الاحتلال على جزء من أراضي الحيّ وإقامة مبنى تابع لمؤسسة" التأمين الوطني الإسرائيلي" قبل نحو عشرين عاماً، بالإضافة إلى مركز صحي يتبع صندوق المرضى.
وفي ما يتعلّق بجذور الملكية، يوضح عضو لجنة الدفاع عن حيّ الشيخ جرّاح أنّ مساحة الأرض المستولى عليها تتخطّى ستّة دونمات وتعود لعائلة عبد ربه، علماً أنّ امرأة يهودية كانت قد استأجرت الأرض قبل عام 1948 في خلال فترة الإدارة الأردنية للأراضي الفلسطينية المحتلّة.
يضيف عرفة أنّ على الرغم من وجود أوراق ملكية ثبوتية وقضايا رُفعت في المحاكم الإسرائيلية، فإنّ الاحتلال ادّعى أنّها ملكية يهودية وليست مؤجّرة، وصدر بالتالي قرار بالاستيلاء عليها بحجّة أنّ الأرض تندرج، مع ما عليها، من ضمن قانون أملاك الغائبين الصادر في عام 1950، الذي أتاح لدولة الاحتلال استملاك أراضٍ بحجّة أنّ أصحابها غير موجودين.
ويبيّن عرفة أنّ الاحتلال يحوّل هذه الأملاك المستولى عليها إلى الجمعيات الاستيطانية والمشاريع التهويدية، لافتاً إلى أنّ مخطّط المدرسة الدينية يشمل مبنى من 11 طبقة، إلى جانبه مساكن لأكثر من 200 طالب، بالإضافة إلى مساكن يهودية أخرى لغير الطلاب.
ولا يخفي عرفة المخاوف التي تتملّك أهالي حيّ الشيخ جرّاح إزاء خطورة هذا المشروع، قائلاً إنّ" الآثار ستكون سلبية جداً (.
) وسيضمّ الحيّ عدداً كبيراً من المستوطنين، وستكون المضايقات يومية مع توفير حماية أمنية لهؤلاء".
ويتابع: " وهذا يشكّل بداية لمخطط أوسع يبدأ بإقامة المدرسة الدينية ثمّ التوسّع الاستيطاني لاحقاً بهدف التهجير.
وستنتشر الحواجز، وسنعاني في الأعياد اليهودية، وسيصير الحيّ مغلقاً".
ويكمل عرفة أنّ" طالما جرى التصديق على المشروع، فإنّه سيجهز بالكامل في خلال ستة أشهر مثلما جرت العادة".
بدوره، يؤكد مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري لـ" العربي الجديد" أنّ حيّ الشيخ جرّاح هدف للاحتلال منذ سنوات طويلة، موضحاً أنّ أكثر من 90% من مناطق القدس الشرقية هُوّدت بصورة كاملة، وصار الاستيطان منتشراً فيها على شكل مساكن أو مراكز خدمات أو مؤسسات أو مدارس.
وبعدما كان الحيّ الغربي في الشيخ جرّاح من المناطق الأقلّ عرضة للتهويد، يشير الحموري إلى مخطّط في المنطقة لإقامة ما يشبه مستوطنة تضمّ نحو 250 وحدة استيطانية إلى جانب المدرسة الدينية، بهدف تثبيت الوجود الإسرائيلي في كلّ أحياء القدس المحتلّة.
ويقول الحموري إنّ الاحتلال يبدأ عادةً الاستيطان في مثل هذه الأحياء من خلال إقامة مؤسسات إسرائيلية، من قبيل مكتب البريد أو التأمين الوطني، ثم يتوسّع بصورة كبيرة في التهويد السكني؛ فالمستوطنون يسكنون في كلّ موقع تُتاح لهم الفرصة فيه.
وعن الهدف الأساسي من هذا المشروع، يبيّن الحموري أنّه يتمثّل في الوصول إلى التهويد الكامل لمدينة القدس، سواء من خلال ادّعاءات الملكية اليهودية، أو المصادرة، أو تصنيف الأراضي تحت مسمّى" أملاك حكومية"، مشدّداً على أنّ النتيجة النهائية واحدة، وهي فرض السيطرة الكاملة على القدس.
ويحذّر مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من أنّ القدس تشهد تغيّرات يومية متسارعة، إذ تظهر تطوّرات استيطانية جديدة بصورة مستمرة، مستشهداً بما حدث حين جرى، للمرّة الأولى في عام 1967، إجبار المدارس على التعطيل في ما يُسمّى" يوم الاستقلال الإسرائيلي"، الذي صادف فيه الثاني والعشرين من شهر مايو/ أيار الجاري.
تجدر الإشارة إلى أنّ الإدانات الفلسطينية الرسمية لم تفلح، ولا العربية، في التأثير على إقرار الاحتلال الإسرائيلي مخطّط التهويد في الشيخ جرّاح.
ويؤكد الحموري أنّ مؤسسات رسمية فلسطينية عديدة، إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي، أصدرت إدانات لهذا المخطّط، غير أنّ هذه المواقف يراها المقدسيون" حبراً على ورق وبلا تأثير فعلي يُذكر" وفقاً للتجارب السابقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك