نواكشوط –«القدس العربي»: في لحظةٍ تتزايد فيها الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية وتتصاعد فيها مخاوف الدول من استنزاف الكفاءات البشرية وتفاقم اختلالات سوق العمل، بدأت موريتانيا تتحرك نحو مقاربة أكثر شمولًا وتنظيمًا لملف هجرة اليد العاملة، تقوم على التنسيق مع الشركاء الدوليين وربط الهجرة بالتنمية والحماية القانونية وتثمين الكفاءات الوطنية.
وفي هذا السياق، ركز خبراء من الحكومة الموريتانية وآخرون من منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، مناقشاتهم في ندوة تشاورية دولية احتضنتها نواكشوط حول سبل بناء سياسة متوازنة للهجرة المهنية تراعي احتياجات السوق وتحفظ حقوق العمال وتحدّ من مخاطر الهجرة غير النظامية.
وتعكس هذه الندوة إدراكًا متزايدًا لدى السلطات الموريتانية بأن ملف الهجرة لم يعد مجرد قضية أمنية أو إنسانية عابرة، بل أصبح تحديًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يرتبط بمستقبل الشباب وتنقل الكفاءات وعلاقات البلاد مع محيطها الإقليمي والدولي.
كما فتحت الندوة النقاش حول كيفية تحويل الهجرة من مصدر للقلق والأزمات إلى أداة للتنمية وتبادل الخبرات، في ظل سعي موريتانيا لصياغة رؤية جديدة توازن بين حماية مواردها البشرية والانفتاح على فرص العمل والشراكات الدولية.
ولم تعد الهجرة تقدم في الخطاب الرسمي الموريتاني باعتبارها مجرد تحدٍّ أمني أو ضغط حدودي مرتبط بتدفقات المهاجرين في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، بل بدأت قضية الهجرة تتحول تدريجيًا إلى ملف تنموي واستراتيجي يرتبط بسوق العمل، وتأهيل الشباب، وجذب الشراكات الدولية، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمهاجرين والعمالة الوطنية في الخارج.
وضع استراتيجية وطنية ومن هذا المنطلق، يكتسب إطلاق الورشة الوطنية الخاصة بصياغة التصورات المتعلقة بالاستراتيجية الوطنية لهجرة اليد العاملة والتنقل الدولي أهمية خاصة، لأنها تكشف عن انتقال موريتانيا من مرحلة إدارة الظاهرة إلى محاولة بناء سياسة متكاملة للهجرة المهنية، في تقاطع واضح مع أولويات الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية والتحولات الاقتصادية الإقليمية.
ولم تكن هذه الندوة مجرد نقاش فني حول التشغيل الخارجي، بل تمثل مؤشرًا على إعادة صياغة مقاربة موريتانية جديدة لملف الهجرة، تقوم على «تنظيم التنقل» بدل الاكتفاء بمنطق «الضبط الأمني».
الهجرة قضية تنموية لا أمنية فقطولسنوات طويلة، ارتبط الحديث عن الهجرة في موريتانيا، كما في أغلب دول الساحل، بملفات العبور غير النظامي، ومراقبة الحدود، والتعاون الأمني مع أوروبا.
لكن الخطاب الذي طبع افتتاح الندوة الحالية يعكس محاولة واضحة لتوسيع المقاربة، وربط الهجرة المهنية بالتنمية الاقتصادية والتشغيل وتكوين الموارد البشرية.
فقد ركزت وزيرة الوظيفة العمومية والعمل، مريم بنت بيجل، في مداخلتها الافتتاحية للندوة على أن تطوير التشغيل وتنظيم الهجرة المهنية يشكلان جزءًا من رؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لبناء «دولة عصرية تنعم بالاستقرار الاجتماعي».
من ورطة الهجرة غير النظامية إلى إشكالية تنقل الكفاءاتوهذا التحول في الخطاب ليس تفصيلاً لغويًا، كما يراه متابعون لهذا الملف، بل يعكس إدراكًا رسميًا بأن البطالة والهجرة والاندماج الاقتصادي باتت ملفات مترابطة، خصوصًا في ظل ارتفاع نسبة الشباب في المجتمع الموريتاني، وضغط سوق العمل المحلي، وتزايد الطلب الدولي على العمالة المؤهلة.
من تصدير العمالة إلى «تنقل الكفاءات»واللافت في الطرح الحكومي الموريتاني الحالي أنه يتجاوز فكرة «تصدير اليد العاملة» بصيغتها التقليدية، نحو الحديث عن «تنقل دولي منظم وآمن» للكفاءات والمهارات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك