عاشت الرواية العربية تحولات كثيرة منذ نشأة هذا الفن الإبداعي وحتى اليوم، وأمام تلك التحولات تنوّعت استجابات الروائيين وطرق تفاعلهم معها؛ فمنهم من ابتكر أشكالا جديدة، ومنهم من عاد إلى التاريخ والسير، ومنهم من مزج بين الواقع والمتخيل لإعادة قراءتهما معا.
وفي ظل التحولات السريعة التي نشهدها اليوم، وتفاقم أزمات الإنسان، ومع تسارع التقدم التكنولوجي، تبرز الإشكالية التي يناقشها هذا التحقيق حول دور الرواية اليوم وحدودها وقدرتها على التخيل، في زمن يزداد تعقيدا وقسوة.
وذلك من خلال سؤالين: السؤال الأول: في الرواية، هل تُكشف الحقيقة كما هي مهما كانت قاسية، أم تُعاد صياغتها بشكل جمالي يمكن احتماله؟ السؤال الثاني: في عالم عربي يعيش التحولات والحروب والخذلان، هل ما زال الروائي قادرا على تخيّل الإنسان داخل الرواية، أم أن الواقع أصبح أقوى من الخيال؟يرى الروائي المصري إبراهيم فرغلي أن دور الرواية، بعد اكتمال شروطها الفنية، هو طرح أسئلة تكشف الحقيقة، لكنها لا تتعامل مع الحقيقة بمنطق الواقع المباشر، بل تعيد تفكيك ما يُظن أنه «حقيقة» وتقدّيمه من زوايا متعددة تكشف أنه جزء من صورة أوسع.
ويضرب مثالا بقضية جريمة تتناولها الصحف باعتبار أن المتهم ارتكب القتل أو السلب، وتمت إدانته وسجنه، وهي حقيقة في منطق الواقع، لكن حين يتناولها كاتب مثل نجيب محفوظ، سرديا، فإنه يعيد النظر في هذه المسلّمات عبر تتبع ما بعد الجريمة، أو ما يحيط بها، كاشفا أن خلف الفعل دوافع إنسانية وظروفا مركبة تجعل الصورة أكثر تعقيدا من الحكم الأولي.
ويؤكد أن وظيفة الكتابة هي التشكيك في ما يبدو حقيقة حتى يُثبت أو يُنقض، محذرا من اعتماد وجهة نظر واحدة في السرد، لأن ذلك يحوّل الرواية إلى توظيف سياسي قد يضلل القارئ.
كما يرى أن الواقع غالبا أغرب من الخيال، وأن كثيرا من الروايات الخيالية تستند إلى جذور واقعية، لكن بعض الكتاب عند تناول أحداث كبرى مثل الربيع العربي أو الحروب الحديثة يقعون في فخ المباشرة والتسجيل، بدل الغوص في أثرها الإنساني والنفسي.
ويختتم بأن الروايات الكبرى عن الأحداث التاريخية تُكتب بعد زمن من وقوعها، كما حدث مع أعمال تناولت الحروب العالمية، أو محطات تاريخية كبرى، لأنها تبتعد عن الانفعال اللحظي، وتستحضر التناقضات لصناعة رؤية أعمق، لا لإعادة إنتاج «حقيقة جاهزة».
الحقيقة في مواجهة الإبداعأما الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد فيرى، ردا على السؤال الأول، أن الإبداع لا يأتي بالحقيقة مطلقة كما هي، بل دائما ما يحيطها الكثير من الخيال، وحتى حين يأتي الشر يكون مجنحا بالجمال الفني.
وقال: «هناك فرق كبير بين من يتعمد الوصول إلى الحقائق، ومن يدرك كيف يحلق الإبداع في الفضاء.
نجد أن من يتعمد الوصول إلى الحقيقة أجدر به أن يكون مؤرخا.
أما الإبداع فيمسك بروح الزمن».
وأضاف أن «المبدع حين يكتب يترك نفسه للشخصيات والأحداث، ولا يعيد ترتيبها لتعبر عن فكرة ما، بل جهده العظيم يكون في البناء الفني، لأن الإبداع روح وليس عقلا».
وأوضح قائلا: «صحيح أن هناك دراسات نقدية تحمل عناوين مثل المرأة في الرواية والمدينة في الرواية وغير ذلك، وتبحث عن حقائق، لكن الإبداع أعمق وأوسع في الفضاء».
وفي معرض رده على السؤال الثاني، يؤكد إبراهيم عبد المجيد أن «الواقع يبدو كثيرا أقوى من الخيال، خاصة في هذا الزمن الذي يتم فيه تدمير بلدان بأكملها مثل غزة ولبنان وغيرها».
ويضيف أن «الرواية أو غيرها من الفنون تعبر جميعها عما حصل ويحصل، عبر التحليق في سماء الفن».
وقال إن «ما حولنا يكون مادة رائعة رغم الألم، للإبداع في ما بعد، لأن كل ما يحتاجه المبدع هو شيء من الوقت، يجعل ما جرى مثل حلم أو كابوس بعيد، فينفصل عما حوله بالاستغراق فيه، ويبني عوالمه من رواية وفن تشكيلي وشعر وسينما وغيرها، فيأخذه الإبداع إلى آفاق أرحب من الإنسانية، وهكذا رغم الألم يتحول كل قبح إلى جمال فني يحلق في الفضاء».
لا ترى القاصة والطبيبة العراقية نور الغزي، أن هدف الرواية هو كشف الحقيقة كما هي أو تجميلها، حتى تفقد حدتها، بل تمنح الحقيقة بعدا إنسانيا يجعل القارئ يتساءل عن حدود الواقع والخيال.
وتختلف مع مقولة همنغواي عن إن مهمة الكاتب هي قول الحقيقة فقط، معتبرة أن الحقيقة حين تُنقل بشكل مباشر قد تتحول إلى خبر قاسٍ، بينما الرواية تعيد تشكيلها لتصبح أكثر قابلية للفهم والشعور، من دون تزويرها أو تزيينها بشكل مخل.
وتشبه الجمال في الكتابة بتدخل دقيق لا يشوّه الحقيقة، بل يعيد صياغتها بصورة إنسانية، خصوصا عند تناول موضوعات مثل الألم والحروب والفقد، حيث تمنح اللغة القارئ مساحة للتأمل، بدل الانهيار أمام القسوة.
وترى أن الواقع أحيانا يفوق الخيال قسوة وغرابة، ما يجعل الرواية لا تلاحق الأحداث بقدر ما تستعيد الإنسان داخلها.
وتضرب مثالا بالطفل الخائف من صوت الحرب، والمرأة المنتظرة، والرجل الذي يقاتل، من دون وعي كامل بسبب القتال، مؤكدة أن الخيال هنا لا يهوّل الواقع، بل يعيد تشكيله إنسانيا ويمنح المعاناة صوتا، لتخلص إلى أن الرواية لا تزال قادرة على خلق الإنسان لا الهروب من الواقع.
يؤكد الروائي المصري شريف شعبان، أن الرواية هي «المتنفس الذي ينطلق عبره الوجدان الإنساني نحو عالم الخيال هربا من ضغوط الواقع».
وقال في معرض رده على السؤال الأول إن «الرواية عندما تتناول ما يدور حولنا من أحداث يومية وتفاصيل دقيقة وعلاقات متشابكة معاصرة، بما نعرفه بالرواية الواقعية، فإن دورها أن تنقل هذا الواقع مع قدر من التهذيب والصياغة الجمالية من دون الغوص الكامل في التفاصيل المؤلمة».
وأضاف: «ربما سيشعر القارئ بالحميمية لمشابهة أحداث الرواية بما يعيشه وكأنه هو بطلها، ولكن من دون الشعور بملل أو إصابة الرواية بلغة تقريرية جافة».
وأوضح شريف شعبان أن «فن الرواية تتجلى جمالياته مهما كانت مسمياته في وجود هذا القدر من الخيال الذي يطوّعه الكاتب، للتماشي لغة ووصفا في السرد الواقعي، من دون إفراط أو ميل للتسجيل الحرفي، كي لا تتحول الرواية إلى صفحة من صفحات أخبار الحوادث والقضايا، أو النصوص التسجيلية التي تنقل الواقع بحذافيره بلا تجميل».
مشيرا إلى أن «الرواية تمنحنا بابا خلفيا للتصالح مع الواقع ومحاولة إصلاحه وطرح الأمل لمعالجة أخطائه».
وفي ما يخص قدرة الروائي على تخيّل الإنسان داخل الرواية ضمن واقع يتسم بالتحولات والحروب والخذلان، يؤكد شريف شعبان، أن «ما نعيشه حاليا من واقع عنيف مليء بالأحداث اللاإنسانية التي لا تخطر على بال أحد، قد يدفع البعض إلى النظر إليها وكأنها أغرب من الخيال وأقوى من الإبداع».
وقال: «ربما هناك بعض الأعمال الروائية الأدبية ذات الخيال الحاد، قد لا تصل في فجاجتها لما يحدث على أرض الواقع، وهنا تحديدا يجب على الروائي أن يهرب بعمله من أجل حماية الإنسان».
مشيرا إلى أن «على الروائي كذلك أن ينسج واقعا بديلا يليق به، ينصفه ويرفع من قيمه ويحد من تهميشه واغترابه، ولملمة هويته التي تمزقت في ظل هيمنة العولمة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك