الغور الشمالي - مع تسارع حدة التحديات الاقتصادية وتضاعف كلف الرعاية الطبية والعلاجية، تبرز الأيام الطبية المجانية التي تنظمها الجمعيات الخيرية والمؤسسات التطوعية في لواء الغور الشمالي والمناطق النائية، كواحدة من أهم المبادرات الإنسانية التي تعد طوق نجاة حقيقيا يمنح آلاف الأسر الفقيرة التي تعاني من الفقر والبطالة وانتشار الأمراض المزمنة فرصة للشفاء.
اضافة اعلانواقع ديموغرافي واقتصادي معقدوتعكس الأرقام الرسمية حجم المعاناة الاقتصادية في اللواء الذي يضم قرابة 140 ألف نسمة يتوزعون على ثلاث بلديات رئيسية، هي بلدية معاذ بن جبل وبلدية طبقة فحل وبلدية شرحبيل بن حسنة؛ إذ يبلغ عدد المستفيدين من صندوق المعونة الوطنية وحده نحو 4400 حالة تشمل الأرامل والمطلقات وذوي الاحتياجات الخاصة والأسر الأشد فقرا، ناهيك عن عدد كبير من الأسر التي لا تنطبق عليها الشروط والتي تعتمد على المساعدات العينية والنقدية التي تقدمها الجمعيات المحلية لتغطية الفجوات المعيشية المتزايدة.
ويؤكد رؤساء جمعيات خيرية في الغور الشمالي أن الظروف الاقتصادية الصعبة دفعت أعدادا غير مسبوقة من العائلات إلى الاعتماد كليا على هذه الأيام الطبية المجانية لتأمين أدويتهم وفحوصاتهم.
وتصنف نسب الفقر في بعض قرى الأغوار والمناطق النائية ضمن الأعلى على مستوى المملكة، مما يحول دون قدرة المواطنين على تحمل كلف التنقل من وإلى المستشفيات المركزية، ناهيك عن الارتفاع الحاد في أسعار الأدوية والأجهزة الطبية المتخصصة.
تقول رئيسة جمعية الشيخ حسين للتنمية المستدامة نسرين بني دومي" إن الأيام الطبية لم تعد عملا تطوعيا موسميا فقط، بل أصبحت حاجة أساسية للكثير من الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج أو شراء الأدوية"، مضيفة" أن بعض الأسر تضم أكثر من مريض يعاني أمراضا مزمنة، وتحتاج إلى متابعة مستمرة".
وبحسب تقديرات عاملين في القطاع التطوعي، فإن بعض الأيام الطبية تستقبل ما بين 300 و700 مراجع خلال يوم واحد، فيما تستفيد مئات الأسر سنويا من خدمات الفحص والعلاج وتوفير الأدوية والتحويلات الطبية.
وتقول رئيسة جمعية تلال المنشية تهاني الشحيمات" إنه وفي إحدى المبادرات الطبية بالأغوار، وخصوصا في منطقة المنشية، راجع رجل ستيني العيادة وهو يعاني من إرهاق شديد وضيق في التنفس، معتقدا أن الأمر مرتبط بالتعب والإجهاد اليومي، إلا أن الفحوصات الأولية كشفت وجود مشكلة خطيرة في القلب وارتفاعا حادا في ضغط الدم، ما استدعى تحويله بشكل عاجل إلى المستشفى واستكمال علاجه بالشكل الصحيح".
وتبين إحدى المتطوعات أن أحد الأطفال كان يعاني صداعا وضعفا في التركيز داخل المدرسة، لتكشف الفحوصات التي أجريت له خلال أحد الأيام الطبية المجانية أنه يعاني من ضعف شديد في النظر لم يكن مكتشفا من قبل، موضحة أنه تم تأمين نظارات طبية له بالتعاون مع جهات داعمة، ما ساعده على تحسين وضعه الدراسي والصحي، مؤكدة أن الحملات الطبية التطوعية تعد تجسيدا حيا لقيم التكافل الإنساني في المجتمع الأردني، والنافذة الوحيدة التي تطل منها عائلات الأغوار على حقها في رعاية صحية كريمة، خصوصا مع استمرار الضغوط المعيشية والاقتصادية.
وتلفت عاملة بإحدى الجمعيات الخيرية إلى أن سيدة اكتشفت إصابتها بارتفاع كبير في مستوى السكر بالدم خلال فحص روتيني للسكري رغم أنها لم تكن تعلم بإصابتها بالمرض، الأمر الذي ساعد على بدء العلاج مبكرا وتجنب مضاعفات صحية خطيرة، مؤكدة أن بعض الحالات التي يتم اكتشافها تحتاج إلى عمليات جراحية أو متابعة طويلة، إذ يتم التنسيق مع مستشفيات وأطباء متبرعين لتغطية تكاليف العلاج للحالات الإنسانية.
ويرى عاملون في القطاع التطوعي أن الإقبال الكبير على الأيام الطبية يعكس حجم الحاجة المتزايدة في المناطق الفقيرة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العلاج والأدوية وتكاليف التنقل إلى المستشفيات الموجودة في المدن، مشيرين إلى أن الجامعات الأردنية تلعب دورا مهما في دعم هذه الأنشطة من خلال مشاركة طلبة الطب والتمريض والصيدلة ضمن فرق العمل الميدانية، ما يعزز ثقافة التطوع والمسؤولية المجتمعية لديهم.
ويرى الناشط الاجتماعي خالد العربي أن الأيام الطبية المجانية أصبحت تشكل جزءا مهما من منظومة الحماية الاجتماعية والصحية، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدعم والتنظيم لضمان استمراريتها ووصولها إلى المناطق الأكثر احتياجا، موضحا أن خدمات الأيام الطبية لا تتوقف عند حدود الفحص السريري المجاني، بل تمتد لتشمل توفير الأدوية بمختلف أنواعها، خاصة أدوية الأمراض المزمنة، وتوزيع المستلزمات والأجهزة الطبية الحيوية، كالكراسي المتحركة وأجهزة قياس الضغط والسكري والعكازات والسماعات الطبية، إضافة إلى التنسيق مع مستشفيات خاصة وأطباء متبرعين لإجراء عمليات جراحية مجانية للحالات الإنسانية المستعصية.
مؤشرات الرعاية الصحية والتطوعية في الغور الشماليوتشير الكوادر الطبية المشاركة في هذه الحملات إلى خريطة صحية مقلقة في المناطق النائية؛ إذ إن 35 إلى 40 % من المراجعين يعانون من مرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم، في حين يتم تسجيل نسب مرتفعة لأمراض القلب والشرايين بين كبار السن، منوهين إلى انتشار لافت لحالات فقر الدم (الأنيميا) وسوء التغذية بين الأطفال والنساء.
ويوضح الطبيب المتطوع الدكتور علي خالد الأبعاد الوقائية لهذه الحملات، قائلا" إن خطورة الوضع تكمن في أن الكثير من المرضى يكتشفون إصابتهم بالأمراض المزمنة للمرة الأولى في حياتهم خلال هذه الأيام الميدانية، وذلك لعدم قدرتهم المادية على إجراء الفحوصات الدورية أو مراجعة عيادات الاختصاص"، مضيفا" أن الكشف المبكر هنا لا ينقذ الحياة من مضاعفات خطيرة، كالجلطات والفشل الكلوي فحسب، بل يوفر أيضا على الدولة والمرضى كلفا علاجية باهظة مستقبلا".
ويبين أن خدمات الأيام الطبية لا تقتصر على تقديم المعاينات فقط، بل تشمل توفير أدوية بمختلف أنواعها ومستلزمات وأجهزة طبية، مثل الكراسي المتحركة وأجهزة قياس السكر والضغط والعكازات والسماعات الطبية، وهي أدوات يصعب على العديد من الأسر الفقيرة شراؤها بسبب ارتفاع أسعارها، لافتا إلى أن هذه المبادرات تساعد على تحويل بعض الحالات المرضية إلى المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة لإجراء الفحوصات الدقيقة أو العمليات الجراحية، خاصة للحالات الإنسانية غير القادرة على تحمل تكاليف العلاج.
ويرى ناشطون اجتماعيون أن الأيام الطبية المجانية باتت ركيزة أساسية ضمن منظومة الحماية الاجتماعية والصحية في المملكة، لكنها ما تزال تواجه تحدي الاستدامة وعشوائية التنظيم في بعض الأحيان، مطالبين الجهات الرسمية والمنظمات الدولية بدعم هذه المبادرات وتحويلها إلى عيادات متنقلة ومستدامة تشمل تخصصات طبية أوسع، كالعيون والأسنان والنسائية، وتوفير الفحوصات المخبرية المتقدمة، لا سيما لكبار السن وذوي الإعاقة الذين يمنعهم العجز الجسدي والمالي من مغادرة منازلهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك