المواقف تُختبر في لحظات الشدة، لا في لحظات العافية، والانتماء للوطن لا يُقاس بالكلام بعد انتهاء المعركة، بل بالصوت الذي يرتفع حين يكون للصمت ثمن.
وللصمت حين يكون للكلام خطر.
ومن هنا يصبح الاعتذار المتأخر عن الأخطاء والخطايا لدى أي جماعة أو شخصية سياسية خطأً أخلاقياً لا يُغتفر، لأنه يأتي بعد فوات الأوان، وبعد أن دُفع الثمن من أمن الوطن واستقراره.
مرت مملكة البحرين بظروف وتحديات وتهديدات مباشرة، وكان أبرزها الاعتداء الإيراني الآثم الذي استهدف أمنها واستقرارها.
لم يكن ذلك الاعتداء وليد لحظة، بل هو امتداد لمسار من التحريض والتدخل، والاستقواء بالخارج.
وفي تلك المرحلة، كان البعض ساكتا صامتا، بينما قامت جماعات منحلة ومنحرفة عن العمل الوطني بمهاجمة البلاد، ونقد مؤسساتها، والتحرك ضدها، وتصوير نفسها كضحية، بينما هي كانت رأس الحربة في مشروع يستهدف وحدة مملكة البحرين وتماسكها الاجتماعي.
واليوم، وبعد أن حزمت البحرين أمرها وقررت تعديل انحراف البوصلة، وبعد أن انتهت جولة التصعيد الإيراني، ونجحت المملكة في التصدي للاعتداءات وحماية أمنها الوطني، خرجت علينا بعض الوجوه ذاتها التي كانت بالأمس جزءاً من المشكلة.
خرجوا ليعلنوا انسلاخهم من جماعاتهم السياسية، وليدعوا إلى التلاحم الوطني، وليعلنوا رفضهم للاعتداء الإيراني، وليتحدثوا عن حكمة القيادة البحرينية وقدرتها على تجاوز كافة التحديات.
إن المشكلة ليست في مراجعة المواقف.
فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والعودة إلى الصواب مبدأ.
لكن المشكلة في التوقيت والنية.
فالمراجعة التي تأتي بعد أن يفشل المشروع الذي انخرطوا فيه، وبعد أن تنتصر الدولة وتُحبط المخططات، لا يمكن قراءتها إلا كمحاولة لركوب الموجة وتأمين مخرج آمن.
هذا ليس عملاً سياسياً ناضجاً، ولا هو وطنية تُحتفى بها، الوطنية لا تُستعار عند الحاجة.
من كان صامتا حين كانت البحرين تُطعن، فليس له أن يرفع صوته الآن ليتحدث عن التلاحم.
من شارك أو برر أو التزم الصمت على مهاجمة مؤسسات الدولة والتحريض ضدها، لا يمكن أن يُصدق حين يقول فجأة إنه مع الدولة وضد التدخل الخارجي.
الناس لا تنسى، والذاكرة الوطنية لا تُمحى ببيان صحفي.
«كيف أصدقك وهذا أثر فأسك» ليست عبارة عابرة، بل هي خلاصة التجربة.
الأثر باقٍ، والجرح لم يندمل، والثقة لا تُمنح لمن خانها مرة.
الاعتذار المتأخر لا يفيد الوطن بشيء، لأنه لا يعيد ما فُقد من ثقة، ولا يمحى ما ترتب على الصمت والتواطؤ من أضرار.
هو محاولة لتجميل الصورة الشخصية على حساب الحقيقة.
ومملكة البحرين اليوم تتقدم بثبات لأنها حسمت خياراتها.
اختارت الانحياز للدولة الوطنية، وللشرعية، وللمشروع الخليجي الجامع.
ومن أراد أن يكون جزءاً من هذا المسار فعليه أن يبدأ بالاعتراف العلني والصريح بدور من حرض واستقوى بالخارج، وأن يتحمل مسؤولية مواقفه السابقة، لا أن يكتفي ببيان اعتذار فضفاض لا يقدم ولا يؤخر.
التلاحم الوطني لا يُبنى على النسيان، بل على الوضوح.
ومن أراد أن يكون صادقاً فليقل للناس: أنا أخطأت، وهذه أسباب خطئي، وهذا ما سأفعله لتصحيحه.
أما أن يتحول المتورط إلى واعظ، والصامت إلى خطيب، فهذا ما لا تنطلي حيلته على العقول الواعية.
الوطن لا يحتاج إلى معتذرين في آخر الصف.
ولكنه يحتاج إلى من وقف معه حين كان وحده.
إقرأ أيضا لـ" محميد المحميد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك