الجمع بين الاقتصاد الإسلامي والتحول الرقمي يحمل دلالة حضاريةتنمية بلا إنسان.
أخطر ما يواجه المجتمعات العربيةمخاطر الحرب ليست في أعداد الصواريخ بل في حجم اليقين“مريم” لم تغير حياتي فقط لكنها غيرت فهمي للتاريخ والإنسان والحياةكلنا نعاني من ضعف الذاكرة، من نسيان القيمة، ومن تفويت الفرصة على حضارتنا لكي نقيم عليها البنيان المرصوص من جديد.
كلنا يرصد وينبهر ويهلل، لكن سرعان ما ينسى، النيل ينسى والفرات ينسى، وجبل التوباد ينسى، لذلك لم نكن نتوقع أنه عندما يختلط التاريخ بالإنسانية يصبح النسيان في خبر كان، وحين يصمم “البعض” منا على كتابة الحقيقة المجردة بصرف النظر عن محاذير اللحظة، تصبح الشجاعة في القول، والصرامة في الإصرار، والشفافية في الإقدام سلاح ذو حدين، أحدهما كالوقت إن لم نقطعه قطعنا، والآخر كحد السيف لا يجب أن نمر عليه مرور الكرام.
الليلة كانت في الأزهر الشريف، جامعته العريقة، وأروقته العميقة، ورائحته العطرة، لذلك كانت ذاكرة التاريخ حاضرة، وبديهية الاحتفاء ماثلة في الأذهان، الذي أعطى، والذي كافح، والذي أبدع، هل يتساوى مع من لا يملك من نفسه شيء؟ بالتأكيد هناك فرق، بتأكيد أكثر لا يتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، لذلك تنبه هذا الكيان التاريخي العظيم في مصر الكنانة، بالتحديد في قاهرة المعز، حيث فاجأنا اتحاد الجامعات العربية بتكريم أحد رواد التاريخ المعاصر الحديث البروفيسور فؤاد شهاب، وهو يحصل على جائزة التميز وسط جمع غفير من العلماء والأكاديميين والفقهاء وكبار المسؤولين، نظرًا لإسهاماته المتعددة في العلوم الإنسانية وإنجازاته التاريخية في مجال تحويل الفكر إلى حالة إعجازية لا تتكرر كثيرًا، بل وإلى إنجاز حضاري مع ابنته قد يندر في هذا الزمن من يغامر بحياته من أجل فلذة كبده، ومن يضحي بالغالي والنفيس من أجل أن يبحر بها من الظلمات إلى النور، أو من عالم الصمت إلى عالم الكلام.
حصد البروفيسور شهاب الإنجاز في القاهرة، وعاد به إلى وطنه الغالي البحرين لكي يقص علينا أحسن القصص، وكان هذا الحوار:تكريم الفكرة والشخصية المتميزةبمناسبة تكريمكم من اللجنة العليا للمؤتمر الدولي الحادي عشر لمعامل التأثير العربي كأستاذًا للتاريخ المعاصر والعلاقات الدولية ضمن الشخصيات العربية المتميزة لعام 2026، كيف ترى التكريم كونك من القلائل الذين يحظون بهذه المكانة العربية نظرًا لدورك البارز في ترسيخ مفاهيم الاحتواء والتمكين والاستثمار في الإنسان؟- أرى هذا التكريم تكريمًا للفكرة قبل أن يكون تكريمًا للشخص، وللإيمان العميق بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان.
وما أسعدني حقًا ليس لقب “الشخصية المتميزة”، بل أن يتم الاحتفاء برؤيةٍ تؤمن بأن ذوي الاحتياجات الخاصة ليسوا هامشًا في المجتمع، بل طاقة إنسانية هائلة يجب أن تُمنح الفرصة والاحتواء والتمكين.
وفق الإحصاءات العالمية، فإن هذه الفئة تمثل ما بين 10 إلى 15 بالمائة من سكان العالم، وإذا أضفنا أسرهم ومن يعيشون معهم ويتأثرون بقضاياهم بشكل مباشر، فنحن نتحدث عمليًا عن ما يقارب ثلث سكان العالم.
لذلك فإن الحديث عن ذوي الاحتياجات الخاصة ليس حديثًا عن فئة صغيرة أو قضية هامشية، بل عن قضية إنسانية وتنموية واقتصادية كبرى تمس مستقبل المجتمعات نفسها.
أنا أؤمن أن المجتمعات التي تنظر إلى هذه الفئة باعتبارها عبئًا تخسر جزءًا كبيرًا من طاقتها الإنسانية والإبداعية، بينما المجتمعات التي تستثمر فيهم بالتعليم والتأهيل والدمج تكتشف أنهم قادرون على أن يكونوا مصدر إلهام وقوة وإنتاج وعطاء.
الإنسان حين يُمنح الكرامة والفرصة يتحول من متلقٍ للرعاية إلى شريكٍ في التنمية وصناعة الأمل.
وربما لهذا السبب أعتبر هذا التكريم رسالةً تتجاوز شخصي، لتؤكد أن الإنسانية الحقيقية تُقاس بقدرتنا على رؤية الإنسان الذي قد لا يراه الآخرون، والإنصات إلى صوته، وفتح الأبواب أمام أحلامه.
وأشعر بفخرٍ كبير لأن هذا التكريم يحمل أيضًا اسم البحرين، البلد الذي علّمنا أن قيمة الأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من عمران، بل بما تمنحه للإنسان من احتواء ومحبة وأمل.
ما هو المعنى والمغزى أن يتم تكريم بحريني في جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة خاصةً أنه كان يحمل شعار “الاقتصاد الإسلامي والتحول الرقمي”؟- الأزهر ليس مجرد جامعة، بل هو ذاكرة حضارية وروحية وثقافية ممتدة عبر أكثر من ألف عام، وعندما يُكرَّم بحريني في هذا الصرح العريق، فإن المعنى يتجاوز البعد الشخصي إلى رسالة عربية أوسع، مفادها أن المعرفة مازالت قادرة على جمع الأمة رغم كل ما يحيط بها من انقسامات وتحديات.
ومصر بالنسبة لي ليست مجرد دولة عربية شقيقة، بل هي قلب التاريخ العربي الحديث، والجسر الذي عبرت عليه أفكار النهضة والتنوير إلى العالم العربي.
وقد وصفها المفكر الكبير جمال حمدان في موسوعته الشهيرة “شخصية مصر” بأنها “عبقرية المكان”، لأنها ليست مجرد جغرافيا، بل قدرٌ تاريخي يصنع التوازن في هذه المنطقة.
مصر بحكم موقعها وثقلها السكاني والثقافي والحضاري، لم تكن يومًا دولة عادية في الوعي العربي، بل كانت دائمًا ركيزة من ركائز الاستقرار والهوية العربية.
وأنا أؤمن بأن قوة العرب من قوة مصر، وأن أي مشروع عربي حقيقي لا يمكن أن ينهض دون حضور مصر ودورها التاريخي والثقافي.
عندما تكون مصر قوية ومتوازنة ومتماسكة، يشعر العالم العربي كله بشيء من الطمأنينة، لأنها تمثل عمقًا حضاريًا واستراتيجيًا لا يمكن تجاوزه.
أما على المستوى الشخصي، فإن علاقتي بمصر قديمة جدًا، تمتد منذ سنوات الصبا الأولى، منذ القراءة الأولى للأدب المصري، والاستماع إلى الأغنية المصرية، ومتابعة الفكر والثقافة المصرية التي شكّلت وجدان أجيال عربية كاملة.
لذلك فإن وقوفي في القاهرة، وتحديدًا في رحاب الأزهر، لم يكن بالنسبة لي مجرد حضور لمؤتمر أو تكريم أكاديمي، بل كان أشبه بلقاء وجداني مع جزء عميق من الذاكرة العربية التي سكنتني منذ الطفولة.
كما أن الجمع بين “الاقتصاد الإسلامي” و”التحول الرقمي” يحمل دلالة حضارية مهمة، وهي أن الأمة العربية لا ينبغي أن تبقى أسيرة الماضي، بل قادرة على الدخول إلى المستقبل بلغتها وقيمها ورؤيتها الإنسانية الخاصة.
فالتكنولوجيا لا تعني التخلي عن الهوية، بل يمكن أن تكون وسيلة لحماية الهوية وتطويرها إذا امتلكنا المعرفة والإرادة والرؤية.
هل الاقتصاد الإسلامي في رأيكم قد تمكن من التناغم والمواكبة مع التحول الرقمي، أم أنه مازال مرتبطًا بتقاليد تمنع أو تحرم التعاطي مع التكنولوجيا البازغة كمحرك لهذا الاقتصاد؟- أعتقد أن الاقتصاد الإسلامي يمتلك في جوهره أرضية أخلاقية وإنسانية تجعله أكثر قدرة على التكيف مع التحول الرقمي، لا أقل.
فالقيم التي يقوم عليها، كالعدالة والشفافية وحماية الإنسان وتحقيق التوازن الاجتماعي، هي ذاتها القيم التي يبحث عنها العالم اليوم وسط الفوضى الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
المشكلة ليست في الفكرة، بل أحيانًا في بطء المؤسسات، والخوف من التغيير، والتردد في الدخول الجاد إلى العصر الرقمي.
نحن اليوم أمام فجوة تقنية هائلة تفصل بين عالمين: عالم يُنتج المعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وعالم يستهلك ما يُنتج له فقط.
وهذه الفجوة لا تنتظر المترددين.
العالم يتحرك بسرعة قطار يتجاوز ثلاثمائة كيلومتر في الساعة، ومن لا يملك الجرأة على اللحاق به سيجد نفسه خارج التاريخ الاقتصادي لا خارجه الجغرافي فقط.
التحدي الحقيقي أمام المؤسسات المالية والاقتصادية الإسلامية اليوم ليس مجرد الحفاظ على الهوية، بل القدرة على تحويل هذه الهوية إلى قوة إنتاج وابتكار ومنافسة عالمية.
لا يكفي أن نتحدث عن “الاقتصاد الإسلامي” كشعار أخلاقي، بل يجب أن يتحول إلى مشروع معرفي وتقني متطور، يدخل بقوة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، وتحليل البيانات الضخمة.
العالم لا ينتظر أحدًا، ومن يظن أن بإمكانه حماية نفسه من المستقبل بالانغلاق سيكتشف متأخرًا أن الزمن تجاوزه.
التكنولوجيا ليست خصمًا للقيم، بل أداة، ويمكن أن تكون وسيلة عظيمة لخدمة العدالة والتنمية إذا أحسنّا توظيفها.
لكن الخطر الحقيقي هو أن نبقى أسرى الخوف والبيروقراطية واللغة التقليدية، بينما الآخرون يعيدون تشكيل الاقتصاد العالمي أمام أعيننا.
وأعتقد أن السؤال اليوم لم يعد: “هل نتعامل مع التحول الرقمي؟ ”، بل: “هل نملك ترف التأخر عنه؟ ”.
لأن الأمم التي لا تدخل سباق المعرفة والتكنولوجيا في هذا العصر، لن تكون مجرد أمم متأخرة، بل أممًا مهددة بفقدان تأثيرها ومكانتها وقدرتها حتى على حماية استقلال قرارها الاقتصادي والثقافي.
إلى أي مدى كان المؤتمر وأنت أبرز المكرمين فيه ناجحًا في الربط بين المعاناة الإنسانية العربية “نحو عالم أفضل”، وخبرتكم الطويلة كسفير له تاريخ في هذا المضمار؟- أعتقد أن أهمية هذا المؤتمر لا تكمن فقط في أنه ناقش المعاناة الإنسانية العربية بوصفها ملفاً اجتماعياً أو اقتصادياً، بل في أنه أعاد طرح السؤال الأعمق: كيف نبني مجتمعاً يبدأ من الإنسان وينتهي إليه؟ فالمجتمع، في جوهره، ليس أرقاماً في تقارير التنمية، ولا مؤشرات نمو مجردة، بل هو أفراد يمتلكون وعياً وكرامة ومعرفة وقدرة على المشاركة.
وكل نهضة حقيقية تبدأ حين يُنظر إلى الإنسان لا كعبء على الدولة، ولا كأداة في السوق، بل كرأسمال أخلاقي وثقافي ومعرفي، إذا أُحسن الاستثمار فيه تغيّر وجه المجتمع كله.
ومن هنا، فإن الربط بين المعاناة الإنسانية وخبرتي الطويلة في هذا المجال كان ربطاً طبيعياً؛ لأنني تعلمت، أكاديمياً وإنسانياً، أن التنمية لا تُقاس بما تملكه الدول من ثروات طبيعية فقط، بل بما تصنعه من إنسان قادر على التفكير والإبداع والإنتاج.
فالثروة قد تنضب، والأسواق قد تتقلب، لكن الإنسان المتعلم الواعي هو الثروة التي تتجدد باستمرار.
ولهذا فإن جوهر المعاناة العربية اليوم لا يرتبط بالفقر المادي وحده، بل أحياناً بفقر الفرصة، وضعف التعليم، وغياب التمكين، وشعور الفرد بأنه غير مرئي أو غير مسموع أو غير قادر على صناعة مصيره.
والتجارب العالمية تقدم لنا درساً واضحاً في هذا المعنى.
فاليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة لم تصبح قوى اقتصادية عالمية لأنها امتلكت ثروات طبيعية هائلة، بل لأنها راهنت على الإنسان أولاً، وعلى التعليم قبل كل شيء.
لقد فهمت هذه المجتمعات أن المدرسة ليست مبنى، بل مشروع أمة؛ وأن المعلم ليس موظفاً عادياً، بل صانع مستقبل؛ وأن الطالب ليس رقماً في فصل دراسي، بل طاقة كامنة قد تتحول، إذا وجدت الرعاية والتوجيه، إلى عالم ومهندس ومبدع ورائد أعمال ومواطن مسؤول.
لذلك أرى أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المجتمعات العربية هو أن تتحدث عن التنمية بعيداً عن الإنسان، أو عن الاقتصاد بعيداً عن التعليم، أو عن المستقبل بعيداً عن الكرامة.
فالإنسان الذي لا يتعلم جيداً، ولا يشعر بقيمته، ولا يجد فرصة عادلة، يتحول من قوة بناء إلى طاقة معطلة.
أما الإنسان الذي يُمنح التعليم الجيد، والثقة، والاحترام، والمساحة للمبادرة، فإنه يصبح حجر الأساس في بناء مجتمع قوي ومتماسك ومنتج.
وقد نجح المؤتمر، في تقديري، حين نقل النقاش من مستوى الشكوى من المعاناة إلى مستوى التفكير في شروط تجاوزها.
فالمعاناة الإنسانية العربية لا تُعالج بالشفقة وحدها، بل بالسياسات العاقلة، وبالتعليم العميق، وبتمكين الفرد، وبإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه صانعاً للتاريخ لا ضحية له فقط.
وهنا تتقاطع الفلسفة مع الاجتماع والاقتصاد: فالفلسفة تمنحنا معنى الإنسان، والاجتماع يشرح لنا موقعه داخل الجماعة، والاقتصاد يبين لنا كيف تتحول طاقته إلى إنتاج وقيمة وتنمية.
إن عبارة “نحو عالم أفضل” لا ينبغي أن تبقى شعاراً جميلاً، بل يجب أن تتحول إلى مشروع عملي يبدأ من الفصل الدراسي، ومن الأسرة، ومن الجامعة، ومن سوق العمل، ومن كل مؤسسة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من عقل الإنسان وكرامته.
فحين نعلّم الفرد، ونصون كرامته، ونفتح أمامه أبواب المشاركة، فإننا لا ننقذ فرداً واحداً فقط، بل نؤسس لمجتمع أكثر عدلاً وقوة وقدرة على المنافسة.
ولهذا أقول إن المؤتمر نجح في الربط بين المعاناة الإنسانية العربية وخبرتي الطويلة لأنه وضع الإنسان في مركز السؤال.
وأنا أؤمن أن مستقبل العالم العربي لن تصنعه الثروات وحدها، ولا الخطط وحدها، بل الإنسان المتعلم، الواعي، الكريم، القادر على أن يرى نفسه شريكاً في البناء لا متفرجاً على الهامش.
ومن هنا تبدأ النهضة: من الإنسان، ومن التعليم، ثم التعليم، ثم التعليم.
أنت كأستاذ للتاريخ الحديث والمعاصر، وكنت ممثلاً لمملكة البحرين في هذه الجائزة المهمة، وإذا طُلب منكم التأريخ لمرحلة ما بعد الحرب الدائرة رحاها الآن بين أمريكا وإيران، ماذا ستكتب؟- سأكتب أن الحرب بين أمريكا وإيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت واحدة من العلامات الكبرى على أفول النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك النظام الذي قادته الولايات المتحدة لعقود بوصفها القوة المهيمنة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
نحن اليوم لا نعيش “أزمة حرب” فقط، بل نعيش مخاض ولادة نظام دولي جديد؛ عالم متعدد الأقطاب، تتراجع فيه فكرة القطب الواحد لصالح صعود قوى كبرى جديدة، وفي مقدمتها الصين.
وربما سيذكر المؤرخون مستقبلًا أن اللقاءات الاستراتيجية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ لم تكن مجرد لقاءات سياسية، بل إشارات مبكرة إلى إعادة توزيع القوة في العالم، وإلى بداية مرحلة تتغير فيها قواعد الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والنفوذ.
وسأكتب أيضًا أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس عدد الصواريخ، بل حجم اللايقين الذي أصاب الإنسان العادي؛ فالعالم يتحرك بسرعة هائلة، بينما تتآكل الطمأنينة القديمة التي عاش عليها البشر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد دخلنا زمنًا جديدًا، تُعاد فيه كتابة الخرائط وموازين القوى والسرديات الكبرى في آنٍ واحد.
- معروف عنكم دوركم الكبير الذي لعبتموه في العمل الإنساني بدءًا برعاية ابنتكم مريم التي ساهمت جهودكم وتضحياتكم من أجل إخراجها من الظلمات إلى النور، وهو ما تجسد في دوركم الإنساني لتأسيس العديد من المؤسسات التي ترعى حالات الصم والبكم وذوي الاحتياجات الخاصة، كيف أضافت هذه التجربة الإنسانية إليكم كمؤرخ يُساهم في إعادة صياغة التاريخ بمفهومه الواقعي وليس بوضعه المقلوب؟- مريم لم تغيّر حياتي فقط، بل غيّرت طريقتي في فهم التاريخ والإنسان والحياة نفسها.
كنتُ لسنوات طويلة أقرأ التاريخ بوصفه حروبًا وتحولات سياسية وصراعات كبرى بين الدول والإمبراطوريات، ثم اكتشفت مع مريم أن هناك تاريخًا آخر أكثر عمقًا وإنسانية؛ تاريخ يُكتب في صبر الأمهات، وقلق الآباء، وفي قدرة الإنسان على الانتصار على الألم والخوف واليأس.
مريم لم تكن بالنسبة لي مجرد ابنة، بل أصبحت مصدر قوتي وسعادتي الدائمة، والنافذة التي أعادتني إلى جوهر الإنسان الحقيقي.
لقد أنستني الكثير من قسوة الحياة، وفتحت أمامي طريقًا واسعًا وجميلًا لخدمة وطني بشكل خاص، وخدمة الإنسانية بشكل عام.
ومن خلالها تعلّمت أن أعظم الرسائل في الحياة لا تأتي دائمًا من الكتب والجامعات والمنابر، بل قد تأتي أحيانًا من روحٍ بريئة تُعلّمنا كيف نرى العالم بقلوبنا لا بأعيننا فقط.
وربما لهذا السبب أصبحت أكثر إيمانًا بأن الحضارات لا تُقاس فقط بما تبنيه من أبراج ومدن ومشاريع كبرى، بل بما تمنحه من رحمة وكرامة واحتواء للإنسان الضعيف أو المختلف أو الذي يحتاج إلى فرصة عادلة للحياة.
فالإنسان هو القيمة العليا في أي مشروع حضاري حقيقي.
واليوم، وأنا أقف في هذا المحفل الأكاديمي والحضاري الكبير في جامعة الأزهر لتسلّم هذا التكريم، أشعر في أعماقي أن مريم كانت واحدة من أهم الأسباب التي أوصلتني إلى هذه اللحظة الإنسانية العميقة.
فهي لم تكن عبئًا كما قد يظن البعض، بل كانت النعمة التي أعادت ترتيب روحي وأفكاري ورسائلي في الحياة.
ولهذا كانت رسالتي -ولا تزال - لكل أسر ذوي الهمم: لديكم كنوز عظيمة ربما لا ترونها في البداية، لكنكم ستكتشفون مع الوقت أن الله يضع أحيانًا أعظم النور في أكثر التجارب التي نظنها صعوبة.
هؤلاء الأبناء ليسوا هامشًا في الحياة، بل يمكن أن يكونوا مصدر قوة وإلهام وتحول إنساني عظيم إذا أحسنّا احتضانهم والإيمان بقدراتهم والاستثمار في إنسانيتهم.
لقد علّمتني مريم أن الإنسان الحقيقي لا يُقاس بما يملكه من قوة، بل بما يملكه من رحمة، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في هذا العالم ليس السلطة ولا الشهرة، بل الأثر الإنساني الطيب الذي يبقى في قلوب الناس بعد رحيله.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك