تتسارع التحولات داخل الصناعة الثقيلة في ألمانيا مع تصاعد النقاش بشأن دور شركات السيارات في المنظومة الدفاعية الأوروبية، في ظل إعادة بناء القدرات العسكرية بعد الحرب في أوكرانيا وتزايد المخاوف الأمنية في القارة.
وتتصاعد التساؤلات عن إمكانية عودة" عسكرة الصناعة الألمانية" بالشكل الذي عرفته أوروبا في القرن العشرين، أو أن الاتجاه السائد ليس سوى تحول تدريجي نحو اقتصاد دفاعي موسع، تصبح فيه الصناعات المدنية جزءاً من منظومة إنتاج مزدوج الاستخدام.
في مقابلة مع صحيفة" وول ستريت جورنال"، قال الرئيس التنفيذي لشركة مرسيدس-بنز، أولا كالينيوس، إن" العالم أصبح مكاناً غير قابل للتنبؤ، ومن الواضح أن أوروبا بحاجة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية"، مضيفاً: " إذا أتيحت لنا الفرصة للعب دور في ذلك، فسنكون مستعدين".
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه قطاع السيارات الألماني تباطؤاً في الإنتاج وضغوطاً على الأرباح، ما يعزز توجه الشركات نحو أسواق بديلة، بينها قطاع الدفاع المتنامي.
وتشير تقارير مختلفة إلى اتساع الاهتمام الأوروبي بما يُعرف بـ" التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج"، أي الإنتاج الذي يخدم الاستخدامين، المدني والعسكري، مثل المركبات اللوجستية والأنظمة الهندسية الدقيقة والمعدات عالية التقنية، في إطار إعادة تشكيل سلاسل التوريد بين الصناعة المدنية والمنظومة الدفاعية.
فخلال الحرب العالمية الثانية، كانت شركة" دايملر بنز"، الاسم السابق لمرسيدس-بنز، جزءاً من البنية الصناعية التي دعمت المجهود الحربي النازي، إذ أنتجت محركات طائرات لسلاح الجو الألماني (اللوفتفافه بين 1933 و1945)، إضافة إلى شاحنات ومركبات عسكرية.
كذلك تشير دراسات تاريخية إلى اعتماد واسع على عمالة قسرية من دول محتلة وسجناء معسكرات، ضمن اقتصاد حرب موجّه بالكامل.
وهو ما يشير إليه الموقع الرسمي لمرسيدس بنز.
وتفيد أبحاث تاريخية منشورة في أرشيفات صناعية وجامعية ألمانية بأن شركات صناعية كبرى أخرى كانت مندمجة في بناء" الرايخ الثالث" سلاسل الإنتاج العسكري خلال تلك المرحلة، ضمن اقتصاد تعبوي شامل قادته الدولة النازية.
وفي المقابل، تؤكد المصادر ذاتها أن هذا النموذج لا يمكن مقارنته مباشرة بالسياق الحالي، إذ تعمل ألمانيا اليوم، المحرك الصناعي لأوروبا، ضمن نظام ديمقراطي وأوروبي يخضع لرقابة قانونية وتشريعية صارمة على الصناعات الدفاعية.
وبحسب ما نقلت صحيفة" فاينانشال تايمز" في تقريرها الصادر في مارس/ آذار الماضي، فإن مجموعة فولكسفاغن تجري محادثات مع شركة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية" رافائيل" بشأن إمكانية استخدام جزء من مصانعها في ألمانيا لإنتاج مكونات مرتبطة بمنظومات دفاع جوي، من بينها نظام" القبة الحديدية".
وأشارت الصحيفة إلى أن النقاش لا يتعلق بإنتاج الصواريخ نفسها، بل بمكونات داعمة مثل منصات الإطلاق، والمركبات اللوجستية، وأنظمة الطاقة والدعم التقني.
وأفادت تقارير أخرى بأن المفاوضات تشمل مصنع أوسنابروك الألماني، الذي يواجه تراجعاً في الإنتاج، مع طرح خيار إعادة توظيفه ضمن سلسلة إنتاج دفاعية تسهم في الحفاظ على الوظائف الصناعية.
وتؤكد الصحيفة أن هذه المحادثات تأتي ضمن سياق أوسع داخل أوروبا لإعادة دمج الصناعات المدنية في سلاسل التوريد الدفاعية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في 2022.
وفي السياق ذاته، أشار تقرير لموقع" أخبار الدفاع" إلى أن التوجه لا يقتصر على فولكسفاغن وحدها، بل يعكس اتجاهاً أوسع داخل الصناعة الألمانية لإعادة استخدام الطاقة الإنتاجية غير المستغلة في قطاع السيارات لصالح مكونات دفاعية وتقنيات دقيقة.
ورغم هذه التحركات، تؤكد المصادر ذاتها أن المشاريع لا تزال في مرحلة التفاوض ولم تُحسم بعد، ما يعكس تحولاً تدريجياً في أوروبا نحو اقتصاد صناعي أكثر ارتباطاً بالاحتياجات الأمنية.
وتشير تقارير صناعية أوروبية إلى أن شركات السيارات الألمانية، وفي مقدمتها فولكسفاغن ومرسيدس-بنز، لا تتجه نحو تصنيع السلاح المباشر، بل نحو الدخول في سلاسل التوريد الدفاعي عبر" الإنتاج مزدوج الاستخدام"، وفقاً للموقع الرسمي للمفوضية الأوروبية في فبراير/ شباط الماضي.
ويشمل ذلك الأنظمة الميكانيكية الدقيقة، والهياكل المعدنية، والمركبات غير القتالية، والدعم اللوجستي.
ويعكس هذا التوجه، بحسب محللين صناعيين، تحولاً أوسع في الاقتصاد الألماني نحو دمج الصناعة المدنية في منظومة الدفاع الأوروبية، مع تصاعد الطلب العسكري منذ 2022 وتزايد الضغوط لإعادة بناء القدرات الدفاعية.
وفي خلفية هذا التحول، تظهر ضغوط اقتصادية متزايدة على قطاع السيارات الألماني.
ووفق البيانات المالية لمجموعة مرسيدس-بنز، سجلت الشركة في 2025 صافي أرباح بلغ 5.
8 مليارات دولار، مقارنة بـ11 مليار دولار في 2024، أي بتراجع يقارب 47%.
كذلك سجل الربع الأخير من 2025 صافي أرباح بلغ 1.
6 مليار دولار بانخفاض سنوي قدره 38%.
وتشير البيانات إلى أن أرباح الشركة بلغت 15.
435 مليار دولار في 2023، قبل بدء موجة التراجع في العامين اللاحقين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك