في عالم الفن، اعتاد الناس أن تكون العين هي البوابة الأولى نحو اللوحة، لكن الفنان التركي أشرف أرماغان قلب هذه المعادلة بالكامل، بعدما استطاع أن يرسم العالم بتفاصيله وألوانه رغم أنه لم يرَه يومًا.
وُلد أرماغان عام 1953 في أحد الأحياء الشعبية بمدينة إسطنبول كفيفًا منذ اللحظة الأولى، وعاش حياته من دون أن يعرف شكل الضوء أو معنى اللون، غير أن ذلك لم يمنعه من بناء عالم بصري خاص به، صنعه عبر اللمس والخيال والحدس، حتى تحول لاحقًا إلى ظاهرة فنية وإنسانية أثارت دهشة العلماء قبل جمهور الفن.
منذ طفولته، كان الطفل الصغير يقضي ساعات طويلة داخل ورشة والده لإصلاح الأنابيب، يلمس الأدوات والأجسام محاولًا فهم أشكالها وأحجامها، ثم يعيد تكوينها بمواد بسيطة مثل الكرتون والمسامير.
ومع مرور الوقت، بدأ يطور طريقته الخاصة في الرسم، وهي طريقة تختلف كليًا عن الأساليب التقليدية.
لم يستخدم أرماغان الفرشاة كما يفعل الرسامون، بل اعتمد على أصابعه مباشرة، يغمسها في الألوان الزيتية ويمررها على القماش بحذر شديد، مستعينًا بخطوط بارزة يحفرها مسبقًا كي يتعرف على حدود اللوحة.
كان ينتظر حتى تجف كل طبقة لون قبل أن يضيف الأخرى، وكأنه يرى اللوحة بعقله لا بعينيه.
والمذهل أن أعماله لم تكن مجرد محاولات تجريدية عشوائية، بل لوحات متكاملة تعكس الأشجار والبحار والطيور والمباني وحتى تفاصيل المنظور والعمق البصري بطريقة يصعب تصديق أن صاحبها لم يشاهد العالم يومًا.
هذه الظاهرة دفعت باحثين في جامعة هارفارد إلى دراسة دماغه باستخدام أجهزة الرنين المغناطيسي أثناء الرسم، لتظهر نتائج صادمة للمجتمع العلمي؛ إذ تبين أن القشرة البصرية في دماغه، وهي المنطقة المسؤولة عادة عن معالجة الصور لدى المبصرين، تنشط بكفاءة كبيرة أثناء الرسم، رغم أنه كفيف منذ الولادة.
بمعنى آخر، فإن دماغ أرماغان استطاع أن يبتكر طريقته الخاصة لرؤية العالم، معتمدًا على اللمس والتخيل بدلًا من العين.
شهرة الفنان التركي تجاوزت حدود بلاده، إذ عُرضت أعماله في معارض فنية بأوروبا والولايات المتحدة، كما تعاون مع إحدى شركات السيارات العالمية في تجربة لافتة، بعدما طلب منه رسم سيارة جديدة عقب تحسس تفاصيلها بيديه فقط، فجاءت النتيجة دقيقة إلى حد أذهل المهندسين أنفسهم.
قصة أشرف أرماغان ليست مجرد حكاية نجاح لفنان تحدى إعاقته، بل شهادة نادرة على قدرة الإنسان على إعادة اختراع أدواته الخاصة للحياة.
إنها حكاية تؤكد أن الفن لا يولد في العين وحدها، بل في المخيلة والروح، وأن الإنسان قادر أحيانًا على رؤية ما تعجز العيون نفسها عن إدراكه.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك