تمتد أحداث رواية «زينب والعرش» لفتحي غانم، الصادرة عام 1972، من العهد الملكيّ في مصر حتى حرب حزيران /يونيو 1967.
تصور هذه الرواية الشهيرة هذه المرحلة الانقلابية كبرى في المنطقة العربية عبر شخصيات ثلاثة صحافيين: عبد الهادي النجار، متملّق السلطة والمخبر وكاتب التقارير السرية ضد زملائه، ويوسف المنصور، الشاب الوطني المثاليّ (والأغلب أنه تعبير عن فتحي غانم نفسه)، وحسن زيدان، وهو صحافي انتهازي آخر يسعى لمنافسة النجار على المنصب، إضافة إلى أحمد دياب، الرقيب العسكريّ الذي تم تكليفه بتطويع الصحيفة وتسخيرها لخدمة «أهداف الثورة».
يختار غانم زينب، بطلة الرواية، لتكون الصورة الرمزية لمصر المنتقلة من عهد ملكيّ إلى عهد جمهوري عسكريّ، فهي لأم فلاحة مصرية وأب من أصل تركي يحلم بأن تصبح ابنته سلطانة تجلس على العرش، وحين يتوفى الأب تتزوج الأم من رجل جشع ومقامر يكبرها بالسن (كناية عن مؤسسة الملكية/ ملكها الأخير فاروق) فتتمرد زينب وتجد نفسها في دوامة صراعات.
زينب، حسب العرف الروائي المعروف، هي رمز البلاد وروحها، والصراع على الفوز بحبها يحيل ضمنا على من هو جدير بحكم مصر.
في لقطة رمزية شديدة الأهمية أيضا، وخلال عمل غانم، مع صلاح حافظ والمخرج يحيى العلمي على تحويل الرواية الى عمل تلفزيوني، حرص هؤلاء على إظهار شبه بين أحمد دياب ومحمد أنور السادات، والسبب هو أن الرئيس المصري الأسبق مارس هذا الدور فعلا عندما عيُن رئيسا لمجلس إدارة صحيفة «الجمهورية» من 1953 حتى 1959، وحين استلم غانم هذا المنصب نفسه عام 1966 تمّ عزله بعدها ومنعه من الكتابة الصحافية بأمر من السادات وكان هذا الحدث «السعيد» الذي تسبب في كتابه الرواية!المهاجرون الشوام والبيئة المصرية الحاضنةحملت الصحافة العربية المبكرة، أي قبل بدء عملية انزياح الاستعمار الاحتلالي المباشر ونشوء الدول الوطنية المستقلة، مجمل العناصر الفكرية التي ستحدد لاحقا معالم الصحافة والسياسة العربية، حيث ارتفعت في أركانهما قضايا جامعة تضم الهوية والدين والإصلاح والقومية ومناهضة الاستعمار، قبل أن تصبح «علامات فارقة» تميّز الاتجاهات السياسية العربية المتحاربة وجوديا، وكذلك الأجسام المعبّرة عنها إعلاميا.
تمثّل الحرب العالمية الأولى لحظة مهمة في هذا السياق، مع ملاحظة أن وسائل الإعلام واجهت الرقابة والمراقبة والصعوبات الاقتصادية والسياسية، على ضفتي الواقع، المتمثل آنذاك في الدولة العثمانية، في المشرق العربي، والاحتلال البريطاني في مصر، ويفترض أن تفسّر ظروف «الولادة الصعبة» هذه، وكون الصحافة العربية لم تولد في جو ليبرالي أو ديمقراطي، الكثير من معالمها اللاحقة.
لم تكن الصحافة العربية، بهذا المعنى، «سلطة رابعة» تراقب الدولة، أو «صاحبة الجلالة»، كما يحلو لبعض الصحافيين تسميتها، لكنها كانت، مع ذلك، بيئة حاضنة للآراء، والثقافة، والاتجاهات السياسية، ومنصة للإصلاح الديني، كما كانت، في الحال المصرية، تجربة أولى في موضوع المنفى، العربيّ هذه المرة، مع نزوح «المهاجرين الشوام» إلى مصر، والأجنبي، في حقبة لاحقة، مع ظهور وسائل إعلام عربية مؤثرة من أوروبا.
تفاعلت عوامل «المنفى» العربيّ، مع البيئة الاجتماعية والفكرية المناسبة في مصر لتقديم وسائل إعلام، على شاكلة «الهلال» و»الأهرام»، يمكن اعتبارها أعمالا مؤسسة في الصحافة العربية، وقدّم المنفى الأوروبي، لاحقا، البيئة المناسبة التي تعرّضت لأعطاب كبيرة في البلدان العربية.
ستتفاعل هذه الهجرة وتتخذ طابعا مصريّا وعربيا في الآن ذاته، مع تحوّل مصر إلى القطب المهيمن في السياسة العربية، مع انقلاب الضباط الأحرار عام 1952، حيث سنشهد مع صعود الحركة الناصرية (على اسم قائد الانقلاب/ الثورة، جمال عبد الناصر) دمج عناصر عديدة: مناهضة الاستعمار، والقومية العربية، والإصلاح الاجتماعي، والتعبئة ضد إسرائيل، والتنافس مع الملكيّات العربية المحافظة، فيما نشهد تحوّل الصحافة إلى جزء من الآلة الأيديولوجية لتلك الحركة.
مهّد عبد الناصر لهذا التحول بتأميم الصحافة المصرية، وتصف مصادر تأريخ الإعلام المصري الأمر بأنه وضع العناوين الرئيسية للصحف والمجلات تحت سيطرة الحكومة، وحوّل الصحافيين إلى موظفين حكوميين، وأصبحت صحيفة «الأهرام»، ضمن هذا الترتيب الهرميّ ناطقة بصوت الحكم الناصريّ، وهذه نقطة تحوّل رئيسية، نقلت «ملكية وسائل الإنتاج»، حسب الرطانة الماركسية، من حيز الرأسمالية الوطنية الإصلاحية، إلى حيز الصحافة الأيديولوجية الموجهة من الدولة، معممة بذلك نموذجا سيحضر بأشكال متقاربة في أغلب الدول العربية.
المراسل «السويسري» والأمير الخليجي!يميل فتحي غانم، في «زينب والعرش» (التي يمكن اعتبارها تطويرا لنسخة أقدم هي روايته «الرجل الذي فقد ظله») إلى اختزال العلاقة بين السلطة والصحافة، عبر نموذجها المصريّ ـ الناصريّ، في معادلات سلبية ينتظمها الاستبداد، والتسلّط، والقمع، والرقابة، وتشويه معنى الصحافة.
بشكل يجعلها مثالا على مآلات الحالة البوليسية، لإحكام قبضة الضباط على الصحافة العربية ككل.
غير أن هذه الرؤية يمكن انتقادها باعتبارها اختزالا لواقع أشد تعقيدا بكثير.
لقد خلقت وسائل الإعلام الناصرية أيضا خيالا قوميا عربيا، وكانت الإذاعة الرسمية، خاصة «صوت العرب»، إضافة إلى صحف الخمسينيات والستينيات رابطا قوميا بين القاهرة ودمشق وبغداد، وعمّان وصنعاء وبيروت، وعواصم المغرب العربي.
مثّلت وسائل الإعلام، وفي قلبها الإذاعة والصحف المصرية لتلك المرحلة وضمن هذا السياق التاريخي والتحوّل الاجتماعي الكبير في المنطقة العربية، صعود الدولة باعتبارها صعودا للعرب أنفسهم في التاريخ.
تصوّر «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، الصادرة عن دار الهلال عام 1995، نهاية المرحلة الآنفة الذكر، عبر لسان صحافي مصري ناصريّ مصدوم مما آلت إليه بلاده بعد رحيل عبد الناصر، وينعكس هذا أيضا على حياته الاجتماعية (كما حاولت «زينب والعرش» أن تفعل)، فاضطربت حياته الزوجية وانتهت بالطلاق ليسافر بعدها ويعمل مراسلا لصحيفة في سويسرا، لا تنشر له مواده لأنه بقي مواليا لعبد الناصر.
في أحد خيوط الرواية، يشير بطل القصة إلى محاولة «أمير خليجي» إقناعه بتحرير جريدة ينوي إنشاءها، وهو ما يُحيل، بالطبع، إلى فصل آخر مهم، في تاريخ الصحافة العربية، يتمثّل في الدور الكبير الذي لعبته دول الخليج العربيّ في هذا المجال.
تظهر ثيمة الصحافي الذي يخون مبادئه مبكرا مع «القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ (1945)، في شخص أحمد بدير، الذي يستخدم الصحافة للبحث عن الثروة والنفوذ، ثم في رواية «اللص والكلاب» (1961)، التي قدّم فيها محفوظ مواجهة درامية بين صحافي انتهازي يتخلى عن مبادئه، رؤوف علوان، ولصّ يخرج من السجن ليتحول إلى ثائر يبحث عن العدالة والانتقام بعد خيانة علوان له.
من «شرف» صنع الله إبراهيم، إلى «البلاط الأسود» لناصر عراق، و»بارانويا: اعترافات صحافي فاسد» لإياد فؤاد عبد الحي، يمثّل تكرار هذه الثيمة التي فتحها محفوظ، وكرّسها فتحي غانم، في سلسلة طويلة من الروايات العربية نهاية مرحلة الانقلابات العسكرية، وبدء تحوّلات كبرى أخرى في المنطقة.
كاتب من أسرة «القدس العربي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك