دخل الأمن المائي في الخليج مرحلة حرجة مع تزايد المخاطر الجيوسياسية التي تهدد البنية التحتية الحيوية على طول السواحل، خصوصاً بعد تكرار احتجاز السفن والاعتداء عليها وظهور بقع زيتية كبيرة في مياه الخليج، ما رفع من منسوب القلق حول استهداف الموارد المائية، في جزء من استراتيجية تداعيات الحرب، وسلط الضوء على خطر التسربات النفطية الناتجة من استهداف السفن أو ناقلات الخام.
وتكشف هذه التطورات الميدانية عن هشاشة في الاعتماد الكلي على منشآت ساحلية مركزية تقع في مرمى النيران المباشرة أو التهديدات الهجينة، ما يجعل من حماية هذه الموارد قضية وجودية، ويضع إمدادات مياه الشرب لملايين السكان والنشاط الصناعي أمام تحدي الصمود في مواجهة سيناريوهات التعطيل المتعمد، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة أسوشييتد برس في 14 مايو/ أيار الجاري.
في ظل استمرار الصراع، يبرز خطر التسربات النفطية الناتجة من استهداف السفن أو ناقلات الخام كـ" صواريخ بيئية" صامتة قادرة على شل حركة محطات التحلية الخليجية دون الحاجة إلى استهداف المنشآت بحد ذاتها، حسبما أورد تقرير نشرته منصة نيتشردوتس (Naturedots) المتخصصة في تكنولوجيا مراقبة الموارد المائية والبيئية، في 14 مايو/ أيار الجاري، مشيراً إلى أن التحليلات المعتمدة على صور الأقمار الصناعية وانعكاس الضوء على سطح الماء تشير إلى زيادة مطردة في احتمالات وصول بقع التلوث الهيدروكربوني إلى مداخل سحب المياه في الكويت والبحرين وقطر والإمارات.
ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى كارثة إنسانية تهدد عشرات الملايين الذين يعتمدون على مياه الخليج، خصوصاً أن الطبيعة شبه المغلقة للخليج العربي تجعل من عمليات تنقية المياه من الملوثات النفطية عملية معقدة وطويلة الأمد، ما يعني، بحسب التقرير ذاته، أن أي حادث قد يترك آثاراً مدمرة تمتد لسنوات، وهو ما يحوّل الأمن المائي من مجرد خدمة مرافق إلى ساحة دفاعية تتطلب أنظمة مراقبة متطورة وإنذاراً مبكراً لحماية الإمدادات الحيوية ضد التلوث.
وأمام هذه التهديدات الضاغطة، تتسارع وتيرة العمل الخليجي لتفعيل مشروع" الربط المائي الموحد" ليكون شبكة أمان تتيح تبادل الفوائض المائية بين الدول الأعضاء لمواجهة حالات الطوارئ والأعطال المفاجئة الناجمة عن الصراع، خصوصاً أن الجمود الحالي في الممرات المائية وارتفاع تكاليف التشغيل المرتبطة بأسعار الطاقة يضعان ضغوطاً هائلة على شبكات المياه الوطنية، ما يدفع نحو تسريع بناء أنظمة نقل مرنة قادرة على تجاوز مراكز الإنتاج المستهدفة، حسبما أورد تقرير نشرته منصة جي دبليو آي (Global Water Intelligence)، المتخصصة في أبحاث أسواق المياه العالمية وتحليلاتها، في 13 مايو الجاري.
وفي مسعى لتنويع البدائل الاستراتيجية الطارئة، تكتسب تقنيات استخراج المياه من الرطوبة الجوية زخماً كبيراً في حلول لامركزية قادرة على العمل بشكل مستقل عن الشبكات الوطنية المهددة، وقد أظهر الإعلان عن المتأهلين في مسابقات الابتكار العالمية في مطلع مايو الجاري قفزات تكنولوجية تتيح إنتاج مياه نقية بتكلفة منخفضة وكفاءة عالية باستخدام الطاقة الشمسية، ما يوفر طوق نجاة للمستشفيات والمنشآت الدفاعية في حال توقف محطات التحلية الكبرى، حسبما أورد تقرير نشرته منصة بات سناب (PatSnap) المتخصصة في تحليل براءات الاختراع والابتكار التكنولوجي العالمي، في 12 مايو الجاري.
ويلفت التقرير ذاته إلى أن هذه الابتكارات، التي تعتمد على مواد امتصاص متطورة، تمثل ركيزة أساسية في استراتيجيات" الاستقلال المائي" الطارئ، حيث تمنح الدول القدرة على توفير احتياجات السكان الأساسية بعيداً عن ضغوط الممرات الساحلية الملوثة أو المهددة عسكرياً، ما يقلل من" علاوة السيادة" التي كانت تدفعها الدول سابقاً لتأمين المياه عبر بنى تحتية ضخمة ومكلفة ومعرضة للمخاطر، ويفتح آفاقاً جديدة للتحلية اللامركزية.
أما خيار تحلية المياه الجوفية العميقة، فيبرز على أنه احتياطي استراتيجي، خصوصاً أن هذه المخزونات محمية طبيعياً من التلوث النفطي والإشعاعي الناتج من الصراعات البحرية والجوية، وأن التحولات التقنية الأخيرة في خفض استهلاك الطاقة جعلت من استغلال المياه الأحفورية أمراً ممكناً لمواجهة سيناريوهات الأزمات القصوى، حيث يجري التعامل مع هذه المصادر باعتبارها مصرفاً مائياً وطنياً يوفر أماناً كاملاً من التدخلات الخارجية، حسبما أورد تقرير نشرته منصة فرونتيرز (Frontiers)، المتخصصة في الأبحاث العلمية والبيئية والمائية، في 27 فبراير/ شباط الماضي.
ويشير التقرير ذاته إلى أن دول الخليج تبدي استعداداً متزايداً للاستثمار في هذه التقنيات لضمان سيادة مائية تمنع استخدام المياه على أنها أداة للضغط السياسي أو العسكري العابر للحدود، مؤكداً أن الانتقال نحو أنظمة مائية هجينة تجمع بين الربط الإقليمي والبدائل التكنولوجية المرنة يمثل الضمانة الحقيقية لاستدامة الحياة والنمو الاقتصادي في الخليج، بعيداً عن ارتهان مصير المدن الكبرى لتقلبات الممرات المائية المضطربة أو نزاعات السيطرة على البحار المجاورة.
في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد الناير، لـ" العربي الجديد"، أن الربط المائي الخليجي الذي تأخر تنفيذه لأكثر من 13 عاماً يُعَدّ مشروعاً استراتيجياً، رغم أن دول الخليج تمتلك الإمكانات والقدرات المالية اللازمة لإنجازه، حيث كان من المفترض استثمار عائدات النفط الضخمة في تأمين الأمن المائي عبر هذا الربط الموحد.
ويوضح الناير أن الربط المائي يسمح للدول التي تنتج كميات كبيرة من مياه التحلية بإمداد الدول الأخرى التي تعاني من نقص في الموارد المائية عبر خطوط أنابيب متطورة، وهو ما يتوازى مع الحاجة إلى ضبط شبكة الربط الكهربائي الموحد التي تمكن الدول ذات الإنتاج الفائض من دعم جاراتها، ما يعزز التكامل الأمني والاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي.
وتكمل هذه المشاريع الاستراتيجية شبكات النقل الحديثة مثل السكك الحديدية التي توفر وسيلة نقل منخفضة التكلفة وسريعة للسلع والخدمات والأشخاص بين دول الخليج، ما يسهم في تسريع حركة التبادل التجاري وتعزيز الترابط الإقليمي، وفق رؤية الناير.
ويلفت الخبير الاقتصادي، في هذا الصدد، إلى أن الصناديق السيادية الخليجية تمتلك القدرة المالية الكافية لتمويل هذه المشروعات الحيوية وتنفيذها، سواء كانت مائية أو كهربائية أو حديدية، مدعومة بالعائدات النفطية الضخمة التي تراكمت قبل الأزمة الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز، ما يجعل التمويل متاحاً ولا يحتاج إلا إلى الإرادة السياسية والتنفيذية.
ويخلص الناير إلى أن التطورات الأخيرة والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها تفرض خطورة بالغة على استقرار دول الخليج، ما يجعل تنفيذ الربط المائي أولوية قصوى تستدعي عقد اجتماع طارئ لمجلس التعاون لإجازة المشروع وتوفير التمويل اللازم والبدء في تنفيذه في أسرع وقت ممكن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك