توصلت دراسة حديثة إلى تفسير جديد قد يساعد العلماء على فهم سبب تحوّل بعض الآفات المبكرة في البنكرياس إلى سرطان، في حين تبقى آفات أخرى خاملة لسنوات من دون أن تتطور إلى أورام خبيثة.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية" كانسر ديسكفري"، أن الخلايا المحيطة بهذه الآفات المبكرة لا تتصرف بالطريقة التي كان يتوقعها العلماء سابقاً، بل تبدو أقرب إلى البيئة الطبيعية للبنكرياس منها إلى البيئة المحيطة بالأورام السرطانية.
وركز باحثون من جامعة ميشيجان الأميركية على ما يُعرف بـ" الأورام داخل الظهارة البنكرياسية"، وهي تغيرات مجهرية تظهر داخل أنسجة البنكرياس وتُعد من المراحل المبكرة السابقة لسرطان البنكرياس.
وكان الاعتقاد السائد بين العلماء أن هذه الآفات تبدأ مبكراً، مثل الأورام السرطانية، في إعادة تشكيل الخلايا المحيطة بها وتحويلها إلى بيئة تساعد على نمو السرطان.
ففي كثير من أنواع السرطان، لا تعتمد الخلايا الخبيثة على نفسها فقط، بل تدفع الخلايا المجاورة، مثل الخلايا الليفية وبعض الخلايا المناعية، إلى دعم نمو الورم وانتشاره، فيما يُعرف باسم" البيئة الدقيقة للورم".
لكن نتائج الدراسة كشفت صورة مختلفة تماماً.
فرغم أن الآفات المبكرة أظهرت نشاطاً لبعض الجينات المرتبطة بالخلايا السرطانية، وإن كان بمستوى أقل، فإن البيئة المحيطة بها لم تحمل خصائص البيئة السرطانية المعتادة، بل بدت مشابهة إلى حد كبير للأنسجة الطبيعية في البنكرياس.
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، مارينا باسكا دي ماجليانو، من جامعة ميشيجان، إن الفريق كان يتوقع أن تتطور الآفات والخلايا المحيطة بها معاً في اتجاه يشبه الورم السرطاني، لكن ذلك لم يحدث.
وأوضحت أن هذه الآفات لم تتمكن بعد من" إقناع" الخلايا المجاورة لها بالتغير أو التحول إلى خلايا داعمة للنمو السرطاني.
وقد تساعد هذه النتائج في تفسير لغز حيّر العلماء لفترة طويلة، وهو سبب انتشار الآفات السابقة للسرطان لدى عدد كبير من الأشخاص، حتى في أعمار صغيرة نسبياً، مقابل بقاء معدلات سرطان البنكرياس أقل بكثير مقارنة بانتشار تلك الآفات.
وترجح الدراسة أن وجود الآفة وحده قد لا يكون كافياً لبدء السرطان، بل قد تكون هناك حاجة إلى عوامل إضافية تغيّر البيئة المحيطة بالآفة وتدفعها نحو التحول الخبيث.
ولفهم هذه المرحلة المبكرة بشكل أدق، حلل الباحثون بنكرياسات سليمة تم التبرع بها لأغراض علمية، وتمكنوا من عزل آفات مبكرة من أكثر من 150 بنكرياساً لأشخاص تراوحت أعمارهم بين 20 و70 عاماً.
واستخدم الفريق تقنيات متقدمة، من بينها تحليل الحمض النووي الريبي على مستوى الخلية الواحدة، إلى جانب تقنيات النسخ المكاني، التي تسمح بدراسة الخلايا داخل مواقعها الدقيقة في النسيج ومعرفة الجينات النشطة في كل منطقة.
وشبّه الباحث المشارك في الدراسة، تيموثي فرانكل، هذه الآفات بأنها" إبرة داخل كومة قش"، موضحاً أن الطرق التقليدية كانت تدرس النسيج كاملاً وتحصل على كم هائل من المعلومات العامة، بينما أتاحت التقنيات الحديثة التركيز مباشرة على هذه الآفات الدقيقة نفسها.
وأشار الباحثون إلى أن هناك عوامل أخرى قد تكون ضرورية لتحويل هذه الآفات إلى سرطان، مثل الالتهاب المزمن، أو التهاب البنكرياس، أو التدخين، أو السمنة، أو التقدم في العمر، أو غيرها من الضغوط المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بسرطان البنكرياس.
ويرى الفريق أن أهمية الدراسة تكمن في إمكانية فتح باب جديد للوقاية المبكرة، إذ إن فهم العوامل التي تغيّر البيئة المحيطة بالآفات وتجعلها داعمة للسرطان قد يساعد مستقبلاً على إيقاف العملية قبل اكتمال التحول الخبيث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك