لقي أربعة أشخاص مصرعهم وأصيب ستة آخرون بجروج متفاوتة الخطورة، في حصيلة أولية لانهيار بناية سكنية بمدينة فاس شمال المغرب، اليوم الخميس، في حادث مأساوي يعيد إلى الواجهة ملف المباني الآيلة إلى السقوط، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى" قنابل موقوتة" تهدد سلامة المواطنين.
وأفادت السلطات المحلية بعمالة فاس، في حصيلة أولية، أن أربعة أشخاص لقوا مصرعهم، اليوم الخميس، فيما أصيب ستة آخرون بجروح متفاوتة الخطورة، إثر انهيار بناية سكنية مكونة من طابق سفلي وأربعة طوابق علوية، بحي" الجرندي عين نقبي" بمقاطعة" جنان الورد" بمدينة فاس.
وفور إشعارها بالحادث، انتقلت السلطات المحلية والأمنية وفرق الوقاية المدنية إلى عين المكان لمباشرة عمليات البحث والإنقاذ، حيث تم العمل على اتخاذ كل التدابير اللازمة، من ضمنها تأمين محيط الحادث وإجلاء قاطني المنازل المجاورة للبناية المنهارة، وهو إجراء احترازي لضمان سلامة السكان، تحسباً لأي انهيارات محتملة أخرى قد تهدد سلامتهم، وفق بيان للسلطات المحلية.
وتتواصل إلى حدود الساعة التدخلات الميدانية قصد البحث عن باقي الأشخاص الذين يرجّح استمرار محاصرتهم تحت الأنقاض، فيما جرى نقل المصابين إلى المركز الاستشفائي الجامعي بفاس من أجل تلقي الإسعافات والعلاجات اللازمة.
وبينما تقرر فتح بحث من طرف الجهات المعنية، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وذلك من أجل تحديد ظروف هذا الانهيار وملابساته وأسبابه، تعيد الحادثة إلى الواجهة ملف منازل المغرب الآيلة إلى السقوط مع ما تنطوي عليه من مخاطر على حياة سكانها وسلامتهم.
ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة المغربية لمعالجة هذا الملف، توجه سهام الانتقاد إلى وزارة الإسكان والجهات المعنية بسبب بطء وتيرة معالجة المباني الآيلة إلى السقوط، وضعف نجاعة التدخلات الوقائية.
وتشهد مدن مغربية عدة، خصوصاً في أحيائها القديمة، حوادث انهيار متكررة لمبان مأهولة، الأمر الذي جعلها على امتداد السنوات الماضية" قنابل موقوتة" تهدد حياة السكان، مع تأخر المجالس المنتخبة في إجراءات إصلاحها أو تسوية أوضاع قاطنيها.
وتكررت خلال الأشهر الأخيرة حوادث انهيار مبان في عدد من المدن المغربية، من بينها حادثة وقعت في الخامس من يناير/ كانون الثاني الماضي في حي العكاري الشعبي بالعاصمة الرباط، وأسفرت عن مصرع شخصين وإصابة أربعة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.
كما شهدت مدينة آسفي، ليلة الرابع من يناير/حزيران الماضي، انهيار منزل سكني في حي بياضة، ما خلّف حالة من الهلع وسط السكان، في حين لم تُسجّل خسائر في الأرواح.
وفي السياق ذاته، انهار منزل قديم في حي الملاح بالمدينة العتيقة بالصويرة، في الثالث من يناير الماضي، ما أودى بحياة سيدة ورضيعها الذي لم يتجاوز عمره أربعة أشهر.
وفي العاشر من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، لقي 22 شخصاً مصرعهم وأصيب 16 آخرون بجروح، إثر انهيار مبنيين متجاورين مكونين من أربعة طوابق في مدينة فاس شمال المغرب، في حادث يعد من بين الأسوأ خلال السنوات الأخيرة.
وسبق ذلك بأيام مقتل شخص في حي باب دكالة الشعبي بمدينة مراكش جراء انهيار غرفة داخل بيته المدرج ضمن المنازل الآيلة إلى السقوط.
وتفيد إحصاءات رسمية بأن عدد المباني والمنازل الآيلة إلى السقوط في المغرب ناهز 7816 خلال عام 2024، بينما وصل عدد المباني التي خضعت لكشف تقني إلى 15.
984.
وكان كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، قد أكد في وقت سابق، أن" الحكومة تعتبر أن المنازل الآيلة إلى السقوط تتعدى كونها تحدياً عمرانياً إلى إشكالية اجتماعية واقتصادية، ما يستدعي تكثيف الجهود وتفعيل آليات التدخل الاستباقي بهدف حماية الأرواح والممتلكات".
من جهته، يقول رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان (غير حكومية)، إدريس السدراوي، لـ" العربي الجديد"، إن مأساة انهيار العمارة بمدينة فاس وما خلفته من ضحايا ومصابين تعيد إلى الواجهة بشكل مؤلم إشكالية السلامة العمرانية وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار أن الحق في الحياة والسلامة الجسدية والسكن اللائق حقوق دستورية وإنسانية أساسية لا تقبل التهاون أو التقصير.
ويرى السدراوي أن تكرار حوادث انهيار البنايات في عدد من المدن المغربية يطرح تساؤلات عميقة حول مدى احترام معايير البناء والتعمير، وفعالية المراقبة التقنية والإدارية، وكذا مسؤولية مختلف المتدخلين، سواء تعلق الأمر بالجماعات الترابية أو وكالات التعمير أو السلطات المحلية أو أصحاب البنايات والمقاولات.
ويضيف: " من منظور حقوقي ودستوري، فإن الفصل 31 من الدستور المغربي يُحمّل الدولة والمؤسسات العمومية مسؤولية تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في السكن اللائق والأمن والسلامة، كما أن الفصل الأول من الدستور يربط بشكل واضح بين المسؤولية والمحاسبة، وهو ما يقتضي فتح تحقيقات نزيهة وشفافة وترتيب الجزاءات القانونية في حالة ثبوت الإهمال أو التقصير أو الفساد".
من جهة أخرى، يعتبر الناشط الحقوقي أن هذه المآسي تكشف الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات التعمير والسكن، وتشديد المراقبة التقنية للبنايات الآيلة إلى السقوط، وتحيين سجلات المباني المهددة بالانهيار، توفير برامج حقيقية لإعادة الإيواء تحفظ الكرامة الإنسانية.
إلى جانب، محاربة كل أشكال الفساد والتواطؤ في منح الرخص أو التغاضي عن المخالفات، وتعزيز دور المجتمع المدني والإعلام في التبليغ والمراقبة.
ويؤكد أن حماية أرواح المواطنين ليست مجرد تدبير إداري، بل التزام دستوري وأخلاقي وحقوقي يفرض على الجميع التحرك العاجل حتى لا تتحول مثل هذه الفواجع إلى مشهد متكرر يهدد الأمن الاجتماعي وحق المواطنين في الحياة الكريمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك